«الخطوات الساخنة».. الرقص الرائع في الفيلم المتواضع

تعلَّقتُ منذ الطفولة بالأفلام الاستعراضية الأمريكية، ولم تفلح السنوات في محو صورة أساتذة الرقص مثل «چين كيلي» و«جنجر روجرز» و«فريد استير»، ولم أنس أبدًا براعة المخرجين الكبار الرائعين من «ستانلي دونين» و«فنسنت منيللي» إلي «روبرت وايز»، وقد تراجعت هذه الأفلام تدريجيًا من خريطة الأنواع ربما بسبب اندثار المواهب الراقصة، ثم بُعثت فجأة في نهاية السبعينيات بظهور موهبة «چون ترافولتا» في أفلام مثل «حمي ليلة السبت» و«جريس»، ورغم أن السنوات الماضية تقدم كل فترة فيلمًا أو أكثر يبهر الأبصار برقصات مبتكرة ومختلفة إلاَّ أن أفلام الكبار الراحلين وفنونهم وعزفهم المنفرد علي أوتار الجسد مازال في الذاكرة وفي الوجدان.

ولقد ذهبتُ لمشاهدة فيلم «Stef up 3D» أو كما عُرض تجاريًا تحت اسم «الخطوات الساخنة» وفي ذهني كل هذا التاريخ الحافل للفيلم الاستعراضي الهوليوودي، وفي عقلي أيضًا هذا التطور الجديد بتقديم الفيلم الجديد من السلسلة الراقصة الناجحة باستخدام تقنية البعد الثالث التي ستصبح الموضة القادمة لحين إشعار آخر، ورغم أنني لا أستريح كثيرًا لهذا الطوفان من أفلام البعد الثالث بعد النجاح الفني والجماهيري لفيلم «آفاتار» للمخرج «چيمس كاميرون» ورغم التقنية من المحتمل أن تغري الكثير من أصحاب المواهب المتواضعة للاستعاضة بالإبهار عن قوة العمل وتكامل عناصره، رغم كل هذه الهواجس، فقد جلست بالنظارة السوداء بلا تحفُّز، بل كنت أدعو أن يُخيِّب الله كل الظنون.

ولكن الظنون والهوامس أبت إلاّ أن تتحول إلي حقائق ساطعة فالفيلم ما هو إلا الرقصات الرائعة لمجموعة من الشباب الذين لا يعزفون فقط علي أوتار أجسادهم، ولكنهم يضربون عليها بعنف وقوة، يتمايلون فيبدون بدون عظام، ويضربون الأرض فيبدون كأعمدة من جديد، يسرعون الخطي فتظنهم رياحًا ترتدي ملابس ملونة، ويتحركون ببطء فيستدعون إلي الذهن صورة «الروبوت» المُبرمج، شيء مذهل وراءه بالتأكيد مصممون لديهم خيال واسع، وتدريبات لا نهائية تجعل كل شيء سهلاً في حين أنه في الواقع شديد الصعوبة.

ولكن فيما عدا هذه الاستعراضات المتناثرة طوال أحداث الفيلم فأنت أمام عمل شديد التواضع كتابةً وتمثيلاً، ويذكرك بالأفلام التليفزيونية الهزيلة التي تخلو من المواهب أو من الخبرات، الراقصون أنفسهم الذين أشعلوا الفيلم ببراعتهم الجسدية يبدون أمام الكاميرا كما لو أنهم في سنة أولي تمثيل، صحيح أنه ليس مطلوبًا من الراقصين أن يكونوا ببراعة «مارلون براندو» أو «تشارلز لوتون» أو «سبنسر تراسي»، وصحيح أن «فريد استير» و«چين كيلي» لم يكونا أبدًا من أساتذة فن التشخيص، ولكن الأمر لا يجب أن يصل إلي هذه الدرجة من الغياب أو الأداء المتواضع، سأعود حتمًا إلي الحكاية التي تشبه أفلامًا كثيرة شاهدتها، ولكني أريد التأكيد أن هناك أفلامًا كثيرة تعاملت مع وجوه شابة تشق طريقها في عالم الفن والغناء والرقص، وكانت النتائج رائعة، ويحضرني في هذا المجال تحديداً فيلم شهرة للمخرج آلان باركة ليس السيناريو والأداء أسوأ ما في الخطوات الساخنة ولكن الأسوأ في رأيي استخدام تقنية البعد الثالث لتصوير هذا الفيلم ولكي أشرح فكرتي أقول لمن لم يشاهد أبداً أفلاما تستخدم هذه التقنية أنك ستشعر عندما تضع النظارة السواء علي عينيك أو فوق نظارتك كما هو الحال عندي أن الصورة مُجسمة لها مقدمة بارزة بما في ذلك الترجمة المكتوبة ولها عمق أو خلفية بعيدة تشبه كثيراً شاشة العرض الخلفي في أفلام الأبيض والأسود حيث كانوا يصورون ليلي مراد وأنور وجدي علي موتوسيكل ثابت في الاستوديو ثم توجد شاشة العرض الخلفي التي تعرض منظر الشارع مصوراً من سيارة متحركة.

كنت ومازلت أري أن هذه التقنية بهذا التأثير المشروع سابقا تناسب جداً أفلام الفانتازيا وأفلام الكارتون التي تدور في أجواء باذخة الخيال أما في فيلم أحداثه عن راقص الشوارع في مدينة نيويورك فإن استخدام البعد الثالث جعل المشاهدة قاسية حقا في المشاهد غير الراقصة كانت لقطات عادية جدا تبدو مضحكة بالبعد الثالث بسبب هذه المسافة بين مقدمة الصورة وعمقها علي سبيل المثال قطعات من خلف الأكتاف بالتبادل بين البطل والبطلة أمر عادي تماما بالطريقة التقليدية ولكن باستخدام البعد الثالث يصبح قفا الممثل عريضا ومجسمًا بشكل غريب بالطريقة التقليدية سيبدو القفا في وجه الكاميرا ولكن بالبعد الثالث فإنه يبدو داخل عينيك نفسها والحقيقة أن المخرج جون تشو لم يكتف بالقفا ولكنه استخدم الأحذية أيضا وحتي في المشاهد الراقصة فإن الراقصين في مقدمة الكادر يبدون أكثر تجسيما من الراقصين في الخلف وبدلاً من إظهار وحدة الاستعراض وجماعتين فإن راقصي الخلفية سيبدون مسطحين وكأنهم يرقصون في شاشة العرض الخلفي القديمة فكأنك دمرت تكوين الاستعراض وجماعيته في سبيل فقط الابهار باثنين أو ثلاثة من راقصي المقدمة.

المشكلة أيضا أن تجسيم راقصي المقدمة وحركتهم السريعة وحجمهم الأصغر جعلهم يبدون مثل الشخصيات الكارتونية التي كانت ترقص مع جين كيلي في الفيلم البديع رفع المرساة طبعا هذا التأثير الكارتوني لم يكن مقصوداً ولكنه الاستخدام السيئ لتقنيه البعد الثالث التي أصبحت هنا مزعجة تماما لدرجة إنني لجأت في أوقات كثيرة إلي خلع النظارة السوداء مفضلا أن أشاهد الصورة مزغللة قليلا ولكن بأحجامها الطبيعية علي أن أري هذه الكائنات الكارتونية المجسمة علي خلفية مسطحة وباهته!

أما عن الحدوتة فهي تقدم شخصيات شبابية بشكل سريع كلهم يعشقون الرقص ويحاولون أن يحققوا من خلاله الشاب لوك ديك مالامبري الذي يكون فريقا اسمه القراصنة يحاول المنافسة في أكبر مسابقة دولية للرقص جائزتها 100 ألف دولار ويري في الجائزة المنقذ له من الحجز علي صالة واسعة حولها إلي مكان للبروفات ولإيواء زملائه الراقصين، يلتقي «لوك» بالصدفة مع الشاب «موس» (آدم ستيفاني) عاشق الرقص الذي يطالبه أهله بأن يدرس الهندسة، وتدخل إلي الساحة الفتاة «ناتالي» (شارني فنسون) التي يحبها «لوك» طبعًا، وتشجعه علي إنجاز فيلمه التسجيلي عن فرقته الذي يحمل اسم «مولود في جهاز التسجيل!»، ولكنه يكتشف أنها شقيقة «چوليان» الذي كان أصلاً من القراصنة، ولكن طرد من الفريق لإدمانه المقامرة، فأصبح منافسًا لهم بفريق راقص جديد اسمه «الساموراي».

في خط آخر هزيل تسوء علاقة «موس» مع حبيبته التي هجرت الرقص وتفرغت للهندسة واسمها «كاميل»، الشاب حائر بين دراسته وحبه للرقص، وطبعًا تُحل كل المشكلات بنجاح القراصنة بمعاونة «ناتالي» بالفوز في مسابقة الرقص والحصول علي المائة ألف دولار، ولابد طبعًا من مشاهد ضد الذروة بعد انتهاء الفيلم فعليّاً حيث يلتحق «لوك» بمعهد الفيلم في كاليفورنيا، ويسافر مع «ناتالي» ويحصل «موس» علي شهادة الهندسة والرقص معًا، ونسمع كلامًا كبيرًا عن أنّ المهم هو السفر وليس الوصول، علي أساس يعني أن معرفة الشباب كنوز، والحقيقة أن المهم بالنسبة لصناع الفيلم هو استخدام البعد الثالث في فيلم استعراضي دون أن يكتشفوا أن الرقص وحده هو الإبهار بعينه، ودون أن يعرفوا أن الأهم من كل التقنيات الموهبة التي توظفها وهذا هو البعد الأول والأخير أمس واليوم وغدًا في كل الأفلام.

1 مشاركات:

إرسال تعليق