موسوعة الىهود واليهودية عبد الوهاب المسيرى ج 1 lمقطع 6


ويمكن أن نُقسِّم هذه المصطلحات إلى مصطلحات نقدية وأخرى وصفية: 


1 ـ المصطلحات الوصفية: وهي تلك المصطلحات التي تكتفي بتقديم وصف لبعض جوانب المجتمعات العلمانية وظواهرها مثل «التلاقي» و«التعاقدية». وهذه المصطلحات يمكن أن تُستخدَم بشكل وصفي محايد خالص دون أي تقييم للظاهرة موضع الوصف. كما يمكن أن تُستخدَم أيضاً بشكل إيجابي، بمعنى أن من يستخدم هذه المصطلحات يرى أن انتشار ظواهر مثل تزايد العلاقات التعاقدية هو أمر إيجابي وفي صالح المجتمع ومن الضروري الإسراع بها. ولكن المصطلحات الوصفية يمكن أن تُستخدَم أيضاً بشكل سلبي (نقدي)، فيرى من يستخدم المصطلح أن مثل هذه الظواهر ستُقوِّض نسيج المجتمع وتقضي على الإنسان. 


2 ـ المصطلحات النقدية: هي المصطلحات مثل «التَشيُّؤ» و«التَسلُّع» التي لا تكتفي بالوصف وإنما تضيف بُعداً تقييمياً يُظهر سلبيات الظاهرة التي يُشار إليها وبُعداً إصلاحياً تبشيرياً. ومن النادر أن نجد من يستخدم مثل هذه المصطلحات بشكل إيجابي، فمن غير المتوقع أن نجد أحداً يدعو صراحةً إلى تَسلُّع الإنسان وتَشيُّئه وتعميق إحساسه بالاغتراب. 


ومع هذا، يوجد داخل هذه المصطلحات النقدية عنصر وصفي لظواهر المجتمعات العلمانية. وما فعلناه هو أننا قمنا بتفكيك المصطلحات النقدية إلى ثلاثة عناصر: الأول الرؤية النقدية، والثالث البرنامج الإصلاحي، أما الثاني فهو العنصر الوصفي، أي أننا سنجد عنصراً وصفياً مشتركاً بين جميع المصطلحات (وصفية كانت أم نقدية).


1 ـ الأساس النقدي: تنطلق المصطلحات النقدية من وصف لحالة إنسانية جوهرية (في تصورنا مثالية) تتسم بالتكامل والتركيب والكلية والحرية والمقدرة على الاختيار والتجاوز، وهي حالة مستقلة عن الطبيعة/المادة، مُتميِّزة عنها، متجاوزة لقوانينها (تتحرك في حيزها الإنساني)، أي أن المصطلحات النقدية تستعيد مفهوم الإنسانية المشتركة وتجعلها المرجعية النهائية وتفترض أسبقية الإنسان على الطبيعة/المادة (فهي استمرار للنموذج الإنساني الهيوماني المتمركز حول الإنسان)، ومن ثم فهي تستعيد قدراً من الثنائية الفضفاضة. ونفس القول ينطبق على المصطلحات المأساوية والعبثية (مثل «الإنسان ذو البُعد الواحد» و«القفص الحديدي»)، فمصدر مأساويتها وعبثيتها هو الحلم بمثل هذه الحالة المثالية والفشل في الوصول إليها. 


2 ـ الجانب الوصفي: ثمة انتقال من هذه الحالة الإنسانية الجوهرية المتجاوزة الافتراضية إلى حالة واقعية ومتحققة في المجتمعات العلمانية الحديثة تقوم المصطلحات النقدية بوصفها. 


3 ـ البرنامج الإصلاحي: تتحدث المصطلحات النقدية أيضاً عن حالة الانعتاق (حالة مثالية في المستقبل)، وهي الحالة التي يمكن أن تتحقق فيها الإمكانيات الكامنة في ذات الإنسان (داخل الزمان والمكان) ويتجاوز فيها الإنسان حالة التفتت والتجـزؤ (الواقـعية المتحققة) التي يعيـش فيـها في المجتمع الحديث. أما المصطلحات العبثية والمأساوية، فلا تطرح أية رؤية للمستقبل. 


ولو استبعدنا الأساس النقدي (رقم1) والبرنامج الإصلاحي الانعتاقي (رقم3) وركزنا على الجانب الوصفي (رقم2) من المصطلحات النقدية، لوجدنا أن هذا هو العنصر المشترك بين كل من المصطلحات النقدية والمصطلحات الوصفية. وهو العنصر الذي سنرسم من خلاله ملامح المجتمع العلماني (النماذجي الشامل) ونُجرِّد نموذجنا التفسيري منه. ويمكن تلخيص هذه الملامح ـ استناداً إلى المصطلحات الوصفية والجانب الوصفي في المصطلحات النقدية ـ في صياغة بسيطة جداً: الانتقال من الإنساني إلى الطبيعي/المادي، أي من التمركز حول الإنسان (الواحدية الذاتية) إلى التمركز حول الطبيعة (الواحدية الموضوعية المادية)، أي الانتقال من تأليه الإنسان وخضوع الطبيعة إلى تأليه الطبيعة وإذعان الإنسان. 


ولكن يمكننا أن نزيد الأمور تفصيلاً بأن نحاول استخدام كل المصطلحات التي أدرجناها سالفاً باعتبارها مصطلحات تصف نفس العملية من زوايا مختلفة: 


1 ـ ينتقل مركز الكـون من الإنسـان (المتجـاوز، متعدد الأبعاد، الحر، المسـئول أخلاقياً)، إلى الطبيعة/المادة (المُبرمَجة، الحتمية، الخاضعة لقانون واحد صارم وأية تنويعات عليها مثل: الشيء ـ السلعة ـ السوق/المصنع ـ الدولة ـ العقلانية التكنولوجية ـ الكفاءة البيروقراطية ـ النماذج الكمية). 


2 ـ تُلغَى ثنائية الإنسان والطبيعة (الصلبة)، وتسود الواحدية المادية إذ أن ثمة قوانين عامة (طبيعية/مادية) تسري على الإنسان سريانها على الطبيعة، أي أن الإنسان يتم تفكيكه ورده إلى عالم الطبيعة/المادة ويتم استيعابه تماماً فيه (أي يتم تطبيعه)، فتختفي المنظومات القيمية والمعرفية الإنسانية المستقلة عن عالم الطبيعة/المادة والمقصورة على الإنسان. 


3 ـ يفقد الإنسان أي تميُّز، ويُزاح عن المركز، وتُنزَع عنه القداسة، ويُجرَد من خصائصه الإنسانية، وتُسقَط عنه السمات الشخصية، ويصبح وسيلة لا غاية، ويتم تحييده وترشيده والتوحيد بينه وبين بقية الكائنات الطبيعية/المادية. 


4 ـ تخضع الأشياء كافة (ومنها الإنسان) لمنطق العلوم الطبيعية، والنماذج الكمية الرياضية (منطق الأشياء) ليصـبح عقـله ذاته عقلاً أداتياً قادراً عـلى التفـكيك وغـير قــادر على التركيب أو الوصول إلى جوهر الطبيعة الإنسانية، فيدخل الإنسان إلى القفص الحديدي، أي إلى عالم الحسابات الرشيدة، حيث تتم برمجة الأشياء كافة والتحكم فيها، فتسود العلاقات التعاقدية المحسوبة في المجتمع وتختفي العلاقات التكافلية التراحمية، أي يتم «تهويد» المجتمع،حسب تعبير ماركس، ويتم تشييئ وتسليع الإنسان. 


5 ـ الإنسان لا يتسم، حسب تعبير ماركس، بالتركيب أو بالمقدرة على التجاوز؛ فهو كائن بسيط، ذو بُعد واحد، وظيفي، مُنمَّط، مُبرمَج، جزء لا يتجزأ من المادة، مغترب عن جوهره الإنساني. 


6 ـ الطبيعة نفسها يتم تحريرها من سحرها وجلالها، ويُنزَع السر عن كل الظواهر، فكل الأمور (في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير) طبيعية/مادية، كل الأمور نسبية. ولذا يتحول العالم إلى ساحة صراع الإنسان فيها ذئب لأخيه الإنسان والبقاء فيها للأصلح، عالم يتسم باللامعيارية. 


7 ـ العالم (الإنسان والطبيعة) عالم واحدي، متشابهة أجزاؤه، لا فارق فيه بين المقدَّس والزمني، لا غاية له ولا هدف ولا معنى، يمكن معرفته والتحكم فيه من خلال هذه المعرفة، هو مادة استعمالية يمكن توظيفها ونقلها (ترانسفير) وحوسلتها، والإمبريالي صاحب القوة هو وحده القادر على غزو العالم وتوظيفه لحسابه. 


8 ـ تتلاقى المجتمعات جميعاً (في نهاية الأمر) لتخضع لنموذج الطبيعة/المادة، وتتزايد معرفة الإنسان بقوانين الطبيعة حتى تسود الواحدية المادية والعقلانية التكنولوجية وينتهي التاريخ. 


وتشير ملامح النموذج الذي جردناه من المصطلحات المختلفة إلى أن ثمة نمطاً متكرراً ونموذجاً كامناً تم رصده من قبَل كثير من المفكرين والأدباء الغربيين (من المدافعين عن التجربة الغربية في التحديث دون تحفُّظ، ومن المتحفظين عليها لأنهم أدركوا بعض جوانبها المظلمة التفكيكية)، وإلى أن هذا النموذج هو نفسه (في واقع الأمر) العلمانية الشاملة رغم أن أحداً لم يُسمها كذلك. وما فعلناه نحن هو أننا طرحنا التعريفات المعجمية جانباً ودرسنا وصف هؤلاء المفكرين لمعالم النموذج المتحقق في المجتمعات العلمانية الغربية الحديثة، وكذلك المصطلحات التي استخدموها في عملية الوصف هذه. ثم قمنا بعملية تفكيك وإعادة تركيب لها لنبرز ونوضح أبعادها المعرفية (الكلية والنهائية)، والنموذج الكامن وراءها، حتى نُبيِّن الوحدة الكامنة وراء التعدد، أي أن تعريفنا للعلمانية الشاملة، وللنموذج التحليلي التفسيري المركب الشامل الذي نقترحه، موجود بشكل كامن في الأدبيات الغربية، وفي كثير من الظواهر الصحية والمرضية في المجتمعات الغربية.






الباب الرابع: مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها 


وحدة (أى واحدية) العلوم 
«وحدة (أي واحدية) العلوم» ترجمة للعبارة الإنجليزية «يونيتي أوف ساينس unity of science» والتي قد يكون من الأفضل ترجمتها بمصطلح «واحدية العلوم». وهي مفهوم أساسي في المناهج البحثية الحديثة يفترض أن ثمة وحدة عامة شاملة تنتظم العلوم كافة (الطبيعية والرياضية والاجتماعية والإنسانية) باعتبار أن الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة لا وجود له خارجها، وباعتبار أن ثمة قانوناً واحداً (طبيعياً/مادياً) يسري على جميع الظواهر الإنسانية والطبيعية، أي أن ثمة واحدية كونية مادية. ومن ثم، يرى دعاة وحدة العلوم أن من الممكن دراسة ظاهرة الإنسان مثلما تُدرَس أية ظاهرة أخرى في العالم الطبيعي، كما يمكن أن تُطبِّق على الإنسان نماذج العلوم الطبيعية. فالإنسان، بالنسبة لعالم الاقتصاد الذي يتبنى هذا المنهج، مجموعة من الحاجات (الاستهلاكية) التي تُشبَع، والقوى التي تتحوَّل إلى طاقة إنتاجية تُوظَّف، أي أنه وحدة إنتاجية استهلاكية يمكن تفسيرها في إطار المُدخَلات والمُخرَجات. والإنسان، بالنسبة لعلماء النفس الذين يتبعون نفس المنهج، مجموعة من الدوافع النفسية التي تتبدَّى في سلوك يمكن فهمه وتفسيره عن طريق نماذج تحليلية مادية ومعادلات رياضية تفترض، في نهاية الأمر، أنه (أي الإنسان) جهاز عصبي وغدد وخلايا. وقد تأسست علوم إنسانية تحاول كلها رصد الإنسان بعد استبعاد أية خصوصية أو غائية قد تؤدي إلى عدم الدقة والإبهام وتعوق إجراء التجارب العلمية العامة الصارمة. ويتم تعريف المفاهيم الحاكمة الأساسية (مثل: التَقدُّم ـ التنمية ـ السعادة) بنفس الطريقة وداخل نفس الإطار ومن نفس المنطلقات المادية العلمية. 


وقد تختلف العلوم الإنسانية في طريقتها ومناهجها قليلاً عن العلوم الطبيعية، وقد تتفاوت في دقتها فيما بينها، ولكنها جميعاً (في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير) علوم تقوم برصد الحقائق المحسوسة المادية. وهي من خلال رصد الحقائق المادية وتجميعها، تصوغ الفرضيات ثم تصوغ النظريات والقوانين العامة " العلمية " التي تشكل أعلى درجات المعرفة من منظور هذه العلوم. وتتحدد مدى دقة العلوم أو عدم دقتها بمدى قربها أو بعدها عن القوانين المادية الطبيعية العامة. ويمكن التَوصُّل لهذه القوانين، وكذلك معرفتها والإحاطة بها، من خلال الحواس والعقـل ومن خلال المحاولة والخطـأ. والأمل المعرفي الأكبر في إطار وحدة العلوم هو تزايد الدقة من خـلال مزيد من التراكم المعلوماتي إلى أن نصـل إلى معـرفة كاملة بالظواهر الإنسانية تشبه معرفتنا بالظواهر الطبيعية، ومن ثم يمكننا التوصل إلى القوانين العامة العلمية ويتم التعبير عنها بلغة جبرية أو شبه جبرية ومعادلات رياضية محايدة تماماً، مُعقَّمة من التاريخ والعواطف والزمان والمطلقات والثنائيات. 


ولا يختلف الأمر كثيراً من الناحية الأخلاقية والاجتماعية فعلى هدي تلك المعرفة العلمية التي توصل إليها الإنسان من خلال العقل والحواس، وعلى أساس افتراض أن ثمة واحدية مادية في الكون لا تُفرِّق بين الإنسان والطبيعة ،سيتوصل العقل إلى أحسن الطرق لتأسيس نظم اجتماعية وأخلاقية يمكنه عن طريقها إدارة أمور الإنسان والمجتمع والبنية المادية. فالعلم يمكنه التَوصُّل إلى كل من قواعد الصحة البدنية وقواعد الصحة النفسية بنفس الطريقة العلمية، أي من خلال الحواس والتجريب والعقل. والعلوم الإنسانية هي وحدها التي يمكنها أن تحدد ـ مهتدية بهدي العلوم الطبيعية، وانطلاقاً من منطلقات علمية زمنية لا علاقة لها بما وراء الطبيعة أو بأية مطلقات أو غائيات أو عواطف ـ ما ينفع الناس وما يحقق لهم السعادة وما يُدخل اللذة عليهم، وأن تُحدَّد أسباب البقاء وكيفية تحويل الناس إلى مواطنين نافعين ومنتجين. ومن يرفض فكرة وحدة (أي واحدية) العلوم (بالمعنى الصارم الذي نطرحه) يرفض في واقع الأمر الواحدية المادية، ويرى أن الظاهرة الإنسانية ليست ظاهرة طبيعية مادية محضة. 


التلاقــــى 
«التلاقي» ترجمة للكلمة الإنجليزية «كونفرجنس convergence». وهي نظرية ظهرت في الخمسينيات ولكنها تعود بجذورها إلى علماء اجتماع، مثل فيبر وزيميل، يرون أن المجتمعات الحديثة تتطور بطريقة واحدة، وحسب نموذج واحد كامن، وأن التحديث يؤدي إلى ظهور أنماط متشابهة رغم اختلاف نقطة الابتداء الأيديولوجية. وهذا يعود في تصوُّرهما وفي تصوُّر الآخرين إلى أن جوهر التحديث هو الترشيد، في إطار نموذج الطبيعة/المادة، وإلى أن المجتمعات الحديثة (رأسمالية كانت أم اشتراكية) تلجأ إلى عملية ترشيد لكلٍّ من البيئة الاجتماعية وحياة الإنسان من الداخل والخارج. وهذه العملية في جوهرها عملية اختزال لهما حتى يمكن تنظيم المجتمع من خلال التخطيط والتحكم الإداري المركزي في كل مصادره الطبيعية والإنسانية وتوظيفها على أكمل وجه، وهو ما يعني سيادة البيروقراطية والاتجاه نحو تنميط الحياة، أي أن هيمنة البيروقراطية (قفص فيبر الحديدي) هي سمة رئيسية وحتمية في المجتمع الحديث تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الظاهرة، ومن هنا الحديث عن «المجتمع الصناعي» وحسب في كثير من الدراسات دون الإشارة إلى توجُّهه الأيديولوجي (الرأسمالي والاشتراكي). ومن هنا أيضاً الحديث عن «نهاية الأيديولوجيا» و«ما بعد الأيديولوجيا». 


ويفترض مفهوم التلاقي عدم وجود فارق كبير بين كل من المجتمعين الاشتراكي والرأسمالي، كما يفترض أن من الأجدى رصد نقط الاتفاق بينهما. ومعظم المصطلحات التي نحتها أو روج لها كثير من دعاة الماركسية الإنسانية ومفكري مدرسة فرانكفورت مثل: الاغتراب ـ التَشيُّؤ ـ التَسلُّع ـ الإنسان ذو البُعد الواحد، تَصلُح جميعاً لوصف حال الإنسان في كل من المجتمع الصناعي الاشتراكي والمجتمع الصناعي الرأسمالي. 


لكن مفهوم التلاقي هذا، رغم أهميته ومقدرته التفسيرية، لم يكتسب المركزية التي يستحقها، ومن ثم لم تتم صياغة نموذج تحليلي مركب شامل لظاهرة التحديث والعلمنة. 


اتحاد المقدس والزمنى 
«اتحاد المقدَّس والزمني» ترجمة لعبارة «يونِتي أوف ذا سيكريد آند تيمبورال unity of the sacred and temporal». وتَرد عبارات مثل «اتحاد المقدَّس والزمني والمطلق والنسبي والفكرة المطلقة والطبيعة» في كتابات هيجل الذي كان يرى أن التاريخ الإنساني في جوهره حركة متصاعدة نحو التجاوز التدريجي للخلافات بين المقدَّس والزمني بحيث تتحد الروح المطلقة تدريجياً مع المادة وتُعبِّر عن نفسها في الطبيعة والتاريخ وفي كل أشكال الحياة المادية والروحية. ونحن نرى أن هذه طريقة هيجلية مركبة للتعبير عن التراجع التدريجي لأية مرجعية متجاوزة وعن الظهور التدريجي للواحدية الكونية المادية وللمرجعية المادية الكامنة (التي تُعبِّر عن نفسها في الطبيعة والتاريخ) إلى أن تصل إلى مرحلة وحدة الوجود الكاملة، أي الكمون الكامل ووحدة الوجود المادية، أي العلمانية. 


ومن هنا، فإن تاريخ الفلسفة الغربية والفكر العلماني والمجتمعات الغربية هو تاريخ هيمنة النماذج الواحدية الكونية المادية والحلولية الكمونية (سواء كانت مدفوعة من قَبل الروح المطلقة أو من قَبل قوانين الحركة) على الفكر والواقع الغربيين. 


التطبيــــع 
«التطبيع» ترجمة للكلمة الإنجليزية «ناتشورالايز naturalize» بمعنى رد الظواهر إلى الطبيعة/المادة أو إلى القانون الطبيعي، باعتباره مرجعية نهائية كامنة وقانوناً عاماً يسري على كلٍّ من الطبيعة المادية والطبيعة الإنسانية لا يُفرِّق بين أحدهما والآخر. والتطبيع يفترض أن ثمة وحدة كاملة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وأن الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة، رغباته طبيعية (أي مادية) ومعرفته تتلخص في اكتشاف قوانين الحركة أو الطبيعة/المادة (وهي القوانين التي تؤكد وحدة الطبيعي/المادي بالإنساني وتساويهما). إن ما يحكم الإنسان والطبيعة هو القانون الطبيعي، والإنسان إنسان طبيعي، ومن ثم ليست له مكانة أو منزلة خاصة في النظام الطبيعي إذ أن الطبيعة/المادة لا تعرف هدفاً أو غاية. والنزعة الطبيعية (بالإنجليزية: ناتشوراليزم naturalism) هي القول بأن الإنسان إن هو إلا كائن طبيعي تحركه غرائزه الطبيعية، وسائر مكوناته الحضارية والإنسانية التي تفصله عن عالم الحيوان والطبيعة ما هي إلا قشور سطحية لا علاقة لها بالجوهر الإنساني. ولذا نجد أن المدرسة الطبيعية في الأدب تركز على وصف الواقع الاجتماعي كما هو، وتُظهر أن هذا الواقع يشبه الواقع الحيواني الطبيعي في كثير من النواحي. وقد ارتبطت الطبيعية بالداروينية الاجتماعية، وهي كلها اتجاهات فكرية تعبِّر عن هيمنة نموذج الواحدية الموضوعية المادية. 


التحييـــد 
«التحييد» من عبارة «تحييد العالم» وهي ترجمة للعبارة الإنجليزية «نيوترالايزيشن أوف ذي ورلد neutralization of the world» وتعني أن العالم يصبح مادة محضة لا تحوي غرضاً ولا غاية ولا هدفاً ولا معنى ولا مركزاً ولا علاقة لها بعالم القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية أو أية معيارية. وحينما ينظر الإنسان إلى هذا الكون بعد تحييده، فهو لا يرى سوى كائنات طبيعية/مادية متساوية ليس لوجودها أي معنى. والإنسان نفسه جزء من هذا العالم المادي المحايد الذي لا يكترث به ولا يمكنه أن يُسقط أحاسيس الإنسان ولا غائياته على هذا العالم. بل إن عليه ألا يمارس أية أحاسيس بالاشمئزاز والاغتراب تجاه عدم الاكتراث الكوني الذي يحيط به، أي أن على الإنسان أن يرى العالم ويرى ذاته في ضوء مرجعية مادية كامنة في الأشياء وفي ضوء المعايير الطبيعية المادية (غير الإنسانية)، وعليه أن يتخلى عن أية مرجعية متجاوزة كانت أم كامنة، وبذلك فهو يكون قد حيَّد ذاته وحيَّد العالم تماماً وأخذ موقفاً موضوعياً منه. 


هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية 
«هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «بيروكراتايزيشن bureaucratization» و«كوانتيفيكيشن quantification». وهي ظواهر متفشية في المجتمع الحديث رصدها علماء الاجتماع الغربيون. ويرى بعضهم أنها ظاهرة حتمية في المجتمعات الصناعية المتقدمة إذ أن مؤسسات هذه المجتمعات مؤسسات ضخمة متشابكة لدرجة كبيرة، وهو ما يعني أن إدارة المجتمع تتم من خلال نماذج بيروقراطية وكمية لا تكترث كثيراً بخصوصيات الأفراد وسماتهم المتعيِّنة (على عكس المؤسسات الوسيطة في المجتمعات التقليدية مثل القبيلة والأسرة). ولذا، فإن هذه المؤسسات تتحرك وتحاول إعادة صياغة الإنسان الفرد حسب مواصفات عامة كمية تُسقط أبعاده الخصوصية والكيفية التي تعوق أداء البيروقراطيات الحديثة، الأمر الذي يعني تنميط الواقع والبشر. وتحويل المجتمع إلى آلة ضخمة تقرر لكل فرد وظيفته ومكانه، وتحدد (في معظم الأحيان) رغباته وأحلامه. وهذه النماذج البيروقراطية والكمية نماذج واحدية موضوعية مادية صارمة لا تغطي الحياة العامة وحسب وإنما تمتد لتشمل الحياة الخاصة أيضاً. 


المجتمع التكنولوجى أو التكنوقراطى 
«المجتمع التكنولوجي» أو «المجتمع التكنوقراطي» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «تكنولوجيكال أور تكنوكراتيك سوسايتي technological or technocratic society»، أو «تكنوكراسي technocracy» (حرفياً «حكم التكنوقراط»). وقد صاغ مصطلح «التكنوقراطية» المهندس الأمريكي وليام هنري عام 1919، وتعني حرفياً «حكم التكنوقراط» أو «حكم الخبراء الفنيين». ويعود المفهوم إلى المفكر الاشتراكي الفرنسي سان سيمون الذي تنبأ بظهور مجتمع مثالي (طوباوي) يحكمه العلماء والمهندسون والخبراء، كلٌّ في حقل تخصصه، حيث يتحكمون في المجتمع من خلال سلطة مركزية ويُطبِّقون عليه آخر اكتشافات العلم وتطورات التكنولوجيا لحل مشاكله المادية والاجتماعية والإنسانية. 


ويرتبط مفهوم التكنوقراطية بمفهوم التلاقي ومفهوم المجتمع ما بعد الأيديولوجي حيث نجد الافتراض بأن المجتمعات الحديثة مجتمعات لا تُدار عن طريق الأيديولوجيات السياسية والاقتصادية وإنما عن طريق التخطيط الواعي في عالم الاقتصاد والتفكير الإستراتيجي الواعي في أمور الدفاع والتوسع المستمر في البحث العلمي ومراكمة المعرفة بهدف ترشيد الواقع والتحكم فيه، وذلك بتجاوز الانتماءات الأيديولوجية المختلفة. ولذا، فإن القوة الحقيقية لا تُوجَد في يد ممثلي الشعب المنتخبين ولا في يد رجال السياسة ولا حتى في يد البيروقراطية وإنما في يد الخبراء والفنيين. والمصطلح يحمل معنى إيجابياً بالنسبة لمن يؤمن بقدرة العلم والنماذج الطبيعية/المادية على حل كل مشاكل الإنسان دون الرجوع إلى أطر فكرية وفلسفية كلية (الاتجاه الوضعي). 


ولكن هناك من يرون عكس ذلك تماماً، فهم يرون أن حكم الخبراء التكنوقراط هو حكم أصحاب عقل أداتي لا يوجد عندهم أي التزام أخلاقي ولا أية معرفة بالكليات، وهؤلاء مستوعَبون تماماً في النماذج الواحدية، المادية والهندسية، التي لا تعرف الثنائيات أو التركيب، وفي الترشيد الإجرائي الذي لا يعرف القيم الإنسانية أو الأخلاقية. فالتكنوقراطي إنسان متخصص في ميدان فني أو علمي معين ويعجز عن إدراك أي شيء إلا من خلال تخصصه بحيث تكون نظرته إلى الأمور دائماً جـزئية محـدودة رغم ما تدعيه من دقة وانضباط. والخـبير التكنوقراطي شخص عظيم الكفاءة والإنتاجية في ميدانه، ولكنه عاجز عن رؤية الصورة الكلية، ولا يخطر بباله أصلاً تغيير المجتمع، لأن التغيير الحقيقي يتطلب الرؤية الشاملة، في حين أن الإنسان التكنوقراطي شخص جامد محافظ. وهو، إلى جانب هذا، إنسان تهيمن عليه نماذج اختزالية (مادية) بسيطة، ولذا فإنه لا يمكنه أن يتعامل مع الإنسان كظاهرة مركبة متميِّزة في عالم الطبيعة/المادة، فهو قد تدرب تماماً على التعامل مع الأشياء ومع الواقع من خلال نماذج اختزالية، وعادةً ما ينتهي الأمر بهؤلاء التكنوقراط (أولئك الذين لا يدركون أية أبعاد كلية أو نهائية) إلى أن يتحولوا إلى أداة إما في أيدي الاحتكارات والمركب العسكري الصناعي في الدول الرأسمالية أو في أيدي النخبة الحاكمة وسكرتارية الحزب في الدول التي كانت اشتراكية. والمجتمع المثالي الذي يؤسسونه مجتمع شمولي رشيد محكوم تماماً (يوتوبيا تكنوقراطية). 


ويجب أن نربط بين التكنوقراطية واتجاهات أخرى في المجتمع الحديث مثل تزايد هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية وظهور علوم جديدة مثل الهندسة الوراثية والاستنساخ. فهذه اتجاهات نحو مزيد من التحكم في العالم ونحو مزيد من تطبيق اكتشافات العلم والتكنولوجيا على الإنسان. 
المجتمع ما بعد الصناعى 
«ما بعد الصناعي» ترجمة لكلمة «بوست إندستريال post-industrial»، ومنها عبارة «المجتمع ما بعد الصناعي». وقد استخدم بعض المفكرين هذا المصطلح منذ بداية هذا القرن. ومن أهم هؤلاء النقابي الاشتراكي آرثر بنتي الذي ذهب إلى أن ماركس كان يبالغ أحياناً في التفاؤل بشأن منافع الآليات الجديدة رغم إشارته العابرة إلى بعض آثارها الضارة. ويرى بنتي أن الهدف المباشر للاشتراكية لابد أن يكون إخضاع الآلة لقواعد وأعراف (قيم) مُستخدم الآلة، وإلغاء تقسيم العمل المميِّز للمذهب الصناعي الذي أدَّى إلى تشتيت المهام التي كان يقوم بها الصانع وحده فيما مضى. ومن ثم، كان العمل في الماضي وسيلة لتكامل الشخصية، أما الآن فهو يؤدي إلى تفتيتها. 


ويُلاحَظ أن ثمة تأكيداً في أقوال بنتي لأسبقية الإنسان على المادة، وللمرجعية الإنسانية النهائية، فهو يؤمن بإمكانية التغلب على حالة التفتت والاغتراب من خلال العودة إلى المجتمع الحرفي اللامركزي القائم على الورش الصغيرة حيث يسمو العمل بالنفس، وهذا في رأيه هو المجتمع ما بعد الصناعي. 


ولكن مصطلح «ما بعد الصناعي» لا يُستخدَم في الوقت الحاضر بنفس المعنى السابق، إذ أصبح مرتبطاً بالجوانب السلبية في المجتمع. فقد وُصف المجتمع ما بعد الصناعي بأنه عالم تنتشر فيه المعلومات ويتقلص فيه الإحساس وتتحكم فيه وسائل الاتصال الإلكترونية في الإنسان. غير أن الاتصالات الكوكبية والعالم كقرية صغيرة (وكل تلك الأمور التي بشر بها مارشال ماكلوهين باعتبارها بداية عصر جديد سعيد) لن تؤدي بالضرورة إلى رفع قدرات الإنسان الإبداعية وسعادته بل قد تؤدي إلى سحقه وتشتُّته وتفتُّته. وقد وصف ألان تورين المجتمع ما بعد الصناعي بأنه مجتمع مُبرمَج، تهيمن عيه قوة تكنوقراطية. 




العقــل الأداتى 
«العقل الأداتي» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «إنسترومنتال ريزون instrumental reason» ويُقال له أيضاً «العقل الذاتي» أو «التقني» أو «الشكلي» (وهو على علاقة بمصطلحات مثل «العقلانية التكنولوجية» أو «التكنوقراطية» ويقف على الطرف النقيض من «العقل النقدي» أو «الموضوعي«). 


والعقل الأداتي هو العقل الذي يلتزم، على المستوى الشكلي، بالإجراءات دون هدف أو غاية، أي أنه العقل الذي يوظف الوسائل في خدمة الغايات دون تساؤل عن مضمون هذه الغايات وما إذا كانت إنسانية أو معادية للإنسان. وهو، على المستوى الفعلي، العقل الذي يحدد غاياته وأولوياته وحركته انطلاقاً من نموذج عملي مادي بهدف السيطرة على الطبيعة والإنسان وحوسلتهما. 


وفي محاولة تفسير هيمنة العقل الأداتي على المجتمعات الغربية الحديثة، يرى ممثلو مدرسة فرانكفورت أن أحد أهم أسباب ظهوره هو آليات التبادل المجردة في المجتمع الرأسمالي. فتبَادُل السلع يعني تساوي الأشياء المُتبادَلة، فما يُهِم في السلعة ليس قيمتها الاستعمالية المتعينة وإنما ثمنها المجرد. والأيديولوجيا النابعة من هذا التبادل المجرد هي أيديولوجيا واحدية مادية تمحو الفروق وتُوحِّد الواقع مساويةً بين الظواهر المختلفة بحيث يصبح الواقع كله مادة لا سمات لها. ولم تشكل المجتمعات التي كانت اشتراكية أي بديل، فهي الأخرى سيطر عليها العقل الأداتي متمثلاً في التكنوقراطيات الحاكمة. 


ولا يُفسِّر ممثلو مدرسة فرانكفورت أصول العقل الأداتي استناداً إلى عناصر مادية أو اقتصادية أو سياسية وإنما يرجعونه إلى عنصر ثقافي حضاري (على طريقة ماكس فيبر). فالعقـل الأداتي ـ حسـبما يرى هوركهايمر وأدورنو ـ يعود أولاً إلى الأساطير اليونانية القديمة، وخصوصاً أسطورة أوديسيوس باعتبار أن الإلياذة والأوديسة هما اللبنة الأسطورية الأساسية للوجدان الغربي. وقد جاء في الأوديسا أن أوديسيوس طلب من بحارته أن يضعوا الشمع في آذانهم حتى لا يسمعوا غناء الحوريات، وهو غناء ينتهي بمن يسمعه إلى الاستسلام لهن ولإغوائهن. وطلب منهم أن يقيدوه إلى "صاري" السفينة وأن يزيدوا تقييده كلما ازداد الغناء. وتنتهي الأسطورة بانتحار الحوريات لأن أوديسيوس سمع غناءهن وعرف سرهن. 


وتُفسَّر هذه الأسطورة على النحو التالي: 


1 ـ علاقة الإنسان بالطبيعة في الأوديسة هي علاقة صراع وهيمنة وليست علاقة توازن. وأوديسيوس وبحارته هم رمز الإنسان الذي يود الهيمنة على الطبيعة. 
2 ـ يتم إنجاز هذا الهدف عن طريق إهدار إنسانية الإنسان وتلقائيته، فالبحارة (رمز الطبقة العاملة) يفقدون الصلة تماماً مع الطبيعة، وأوديسيوس (رمز الطبقة الحاكمة) لا يستمع إلى الغناء إلا وهو مقيد إلى الصاري، أي أنه يحلم بالسعادة دون أن يعيشها ويحلم بالطبيعة دون أن يرتبط بها. 


3 ـ لا يَنتُج عن هذا انفصال الإنسان عن الطبيعة وحسب وإنما يَنتُج عنه أيضاً انفصال المثال عن الواقع وانفصال الجزء الإنساني عن الكل الطبيعي، وبذا أصبح الإنسان يعيش بعقله في مواجهة البيئة يحاول استغلالها وحسب دون أن يتفاعل معها، أي أن الإنسان الكلي الحي يموت ليحل محله إنسان اقتصادي إمبريالي ميت، لأنه لا يحوي داخله الجوهر الإنساني المتكامل. 


4 ـ تنتهي الأسطورة بانتحار الحوريات وموت الطبيعة لأنها فقدت سحرها وقدسيتها. 


ويرى مفكرو مدرسة فرانكفورت أن جذور العقل الأداتي تعود كذلك إلى المنطق الأرسطي الذي يكشف عن الميل لإخضاع جميع الموضوعات، سواء أكانت عقلية أم جسمية، اجتماعية إنسانية أم طبيعية مادية، لنفس القوانين العامة للتنظيم والحسابات والاستنتاج. 


وأخيراً، يذكر هوركهايمر وأدورنو ذاتية ديكارت حين وضع الذات مقابل الموضوع وخلق هذه الثنائية الحادة والصلبة بينهما وكأن الذات يمكن أن تُوجَد مستقلة عن الموضوع، وكأن الموضوع يمكن أن يُوجَد في حد ذاته مستقلاً عن الذات. واستقلال الذات هنا يعني أنها ستُحوِّل الطبيعة إلى مجرد موضوع للتأمل (كما فعل أوديسيوس) يمكن توظيفه وحوسلته والسيطرة عليه. ويُميِّز أدورنو وهوركهايمر بين المحاكاة والإسقاط. فالمحاكاة هي إدراك مركب يحفظ التوازن بين الذات والموضوع كما يحفظ التوتر الخلاق بينهما. أما الإسقاط فهو شكل من أشكال البارانويا إذ يحول البيئة إلى مجرد امتداد للذات. 


وحركة الاستنارة هي قمة منطق السيطرة والهيمنة (يشيرون لها بأنها «الاستنارة المريضة» و«الاستنارة اللاإنسانية» و«المدنية» في مقابل «الحضارة»)، فهي حركة إسقاط لا محاكاة إذ تُلغي الطبيعة تماماً وتُعلن إمكانية السيطرة النهائية من خلال تجريدها من خصائصها الضرورية (قداستها ـ حرمتها ـ أسرارها ـ غيبها)، وتفتيتها إلى ذرات منفصلة، وإدراكها من خلال مقولات واحدية مادية بسيطة، وإخضاعها للقياس والحساب والتحكم والسيطرة. ولكن المفارقة تكمن في أن الاستنارة بذلك أدركت الإنسان نفسه من خلال مقولات العلوم الطبيعية البسيطة (الموضوعية المادية المنفصلة تماماً عن الذات الإنسانية). وينتهي الأمر حين يسوي التنوير كل شيء بكل شيء آخر، ويصبح العالم مادة استعمالية خاضعة لمؤسسات العقل الأداتي الإدارية والبيروقراطية وينفلت من أية غائيات إنسانية حتى يصبح قوة مستقلة تماماً لها أجزاؤها وأهدافها التي تتجاوز ما هو إنساني. وتصل هذه الاستنارة اللاإنسانية إلى قمتها في الفاشية التي هي شكل من أشكال البارانويا المتطرفة التي تُسقط الذات الإنسانية على الطبيعة وتُلغي الطبيعة تماماً، فالرأسمالية التقليدية تعتمد على وساطة السوق، ولذا فإن ثمة علاقة ما بين الذات والموضوع، أما الفاشية فتُسقط السوق وتحاول السيطرة الكاملة عليه بشكل مباشر من خلال ممارسة القوة غير المحدودة.


ويمكن القول بأن العقل الأداتي، بعد تبلوره، يتسم بالسمات التالية: 


1 ـ ينظر العقل الأداتي إلى الواقع من منظور التماثل ولا يهتم بالخصوصية، ولذا فهو يبحث عن السمات المتماثلة في الأشياء ويهمل السمات التي تميز ظاهرة ما عن أخرى. 


2 ـ العقل الأداتي قادر على إدراك الأجزاء، ولذا فهو يفتت الواقع إلى أجزاء غير مترابطة، ويفككه دون أن يستطيع إعادة تركيبه إلا من خلال نماذج اختزالية بسيطة. 


3 ـ ينظر العقل الأداتي إلى الإنسان باعتباره مجرد جزء يشبه الأجزاء الطبيعية/المادية الأخرى. وهذا الجزء ليس له ما يُميِّزه عن بقية العالم، ولذا فهو مُستوعَب في كليته في النظام الاجتماعي وفي تقسيم العمل السائد وفي الطبيعة/المادة. 


4 ـ العقل الأداتي ينظر إلى الإنسان من منظور العلوم الطبيعية باعتباره شيئاً ثابتاً وكماً واضحاً ووضعاً قائماً لا يحوي أية إمكانيات. 


5 ـ العقل الأداتي ينظر إلى الطبيعة والإنسـان باعتبارهما مادة استعمالية يمكن توظيفهما وحوسـلتهما لخدمة أي هـدف. 


6 ـ الهدف النهائي من الوجود هو الحفاظ على بقاء الذات وهيمنتها وتفوقها (ومن هنا تسميته بالعقل الذاتي أيضاً). 


7 ـ لتحقيق هذا الهدف، يلجأ العقل الأداتي إلى فرض المقولات الكمية على الواقع وإخضاع جميع الوقائع والظواهر (الطبيعة والإنسان) للقوانين الشكلية والقواعد القياسية والنماذج الرياضية، حتى يمكن التحكم في الواقع (ويصل هذا إلى ذروته في الفلسفة الوضعية). 


ينتج عن هذا ما يلي: 


1 ـ أن العقل الأداتي يصبح عاجزاً تماماً عن إدراك العمليات الاجتماعية والسياسية والتاريخية في سياقها الشامل الذي يتخطى حدوده المباشرة، بل إنه يعجز تماماً عن إدراك غائيات نهائية أو كليات متجاوزة للمعطيات الجزئية الحسية والمعطيات المادية الآنية (ولذا، يمكن تسميته بالعقل الجزئي) وهو ما يعني أنه يصبح عاجزاً تماماً عن تحقيق أي تجاوز معرفي أو أخلاقي. 


2 ـ لهذا السبب نفسه، يصبح العقل الأداتي غير قادر على تَجاوُز الحاضر للوصول إلى الماضي أو استشراف المستقبل، أي أن العقل الأداتي يسقط تماماً في اللازمنية واللاتاريخية. 


3 ـ مع غياب أية مقدرة على إدراك الكل المتجاوز وأية أسس تاريخية ورؤى مستقبلية، أي مع غياب أية أرضية معرفية ثابتة، يمكن أن تستند إليها معايير عامة، يسقط العقل الأداتي تماماً في النسبية المعرفية والأخلاقية والجمالية إذ تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تظهر حالة من اللامعيارية الكاملة. ومع هذا، يمكن القول بأن النموذج الكامن والمهيمن على الإنسان يصبح، مع تساوي الأمور، هو: الطبيعة/المادة ـ السلعة ـ الشيء في ذاته ـ علاقات التبادل المجردة. 


4 ـ لكل هذا، يصبح العقل الأداتي قادراً على شيء واحد: قبول الأمر الواقع والتكيف مع ما أمامه من وقائع قائمة وأحداث وجزئيات وظروف القهر والقمع والتنميط والتشيؤ والاغتراب، وهو ما يعني تثبيت دعائم السلطة وعلاقات القوة والسيادة القائمة في مجتمع معين وكبح أية نزعات إبداعية تلقائية تتجاوز ما هو مألوف. 


5 ـ لكل هذا، تحوَّل العقل، رغم تحرُّره من الأساطير، إلى قوة عقلانية تحاول السيطرة على الطبيعة والإنسـان وترشـيد الحياة بشـكل يؤدي إلى نفي الحرية تماماً (كما يتبدَّى في بنَى التسلط الرشيدة الحديثة). ولذا نجد أن التقدم أدَّى إلى عكسه وأن التنوير أدَّى إلى الشمولية والمجتمعات الحديثة التي تسعى إلى الفردية همَّشت الفرد، وأنها في طريقها إلى شكل من أشكال البربرية تتقدم بخطى حثيثة "نحو الجحيم". وما جرى في معسكرات الإبادة النازية إن هو إلا جزء عضوي من هذه المسيرة الشيطانية. 


وقد رصد يورجين هابرماس (1929ـ )، آخر ممثلي مدرسة فرانكفورت، ظاهرة العقل الأداتي وترويض الإنسان في المجتمعات الحديثة وسماها «استعمار عالم الحياة» (أي عالم الوجود المُتعيِّن المُعاش الذي تُوجَد فيه الذات وتتفاعل معه وتستمد وجودها منه). فالترشيد الأداتي والحوسلة المتزايدة لمجالات متنامية في الحياة الاجتماعية، من قبَل الأنظمة والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والإدارية، يؤدي إلى استعباد الإنسان وإلى تقليص عالم الحياة وهيمنة عالم الأداة واستبعاد كثير من جوانب حياته الثرية وإمكانياته الكامنة المتنوعة (أي أن العقل الأداتي يؤدي إلى هيمنة الواحدية الموضوعية المادية، إن أردنا استخدام مصطلحنا).




العقــل النقدى 
«العقل النقدي» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «كريتيكال ريزون critical reason» و«العقل النقدي» هو المفهوم الأساسي في كتابات مفكري مدرسة فرانكفورت (النظرية النقدية) ويُقال له أيضاً «العقل الكلي» أو «العقل الموضوعي» (مقابل «العقل الأداتي» أو «العقل الجزئي» و«العقل الذاتي»). وكلمة «نقدي» هنا مبهمة إلى حدٍّ ما، وتعود إلى مفهوم كانط في النقد. فكانط كان يرى عمله باعتباره جزءاً من المشروع التنويري الغربي الذي رفض جميع الحجج التقليدية القائمة وأخضع كل شيء للنقد. ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد وإنما أخذ خطوة للأمام وأخضع العقل للعملية النقدية نفسها، أي أن كانط أخضع أداة الاستنارة الكبرى للنقد وبيَّن حدودها الضيقة، متجاوزاً بذلك عقلانية عصر الاستنارة، أي أن هناك عقلانيتين: عقلانية مباشرة سطحية، وعقلانية أكثر عمقاً، وهذا هو الذي ترجم نفسه إلى عقلانية العقل الأداتي وعقلانية العقل النقدي. 


ويتسم العقل النقدي بما يلي: 


1 ـ ينظر العقل النقدي إلى الإنسان لا باعتباره جزءاً من كل أكبر منه يعيش داخل أشكال اجتماعية ثابتة معطاة، مُستوعَباً تماماً فيها وفي تقسيم العمل القائم، وإنما باعتباره كياناً مستقلاً مبدعاً لكل ما حوله من الأشكال التاريخية والاجتماعية. 


2 ـ العقل النقدي يدرك العالم (الطبيعة والإنسان) لا كما تدركه العلوم الطبيعية، باعتباره مُعطَى ثابتاً ووضعاً قائماً وسطحاً صلباً، وإنما يدركه باعتباره وضعاً قائماً وإمكانية كامنة. 


3 ـ العقل النقدي لا يقنع بإدراك الجزئيات المباشـرة، فهو قادر على إدراك الحقيقة الكلية والغاية من الوجود الإنسـاني. 


4 ـ العقل النقدي قادر على التعرف على الإنسان ودوافعه وإمكانياته والغرض من وجوده. 


5 ـ العقل النقدي، لكل ما سبق، قادر على تَجاوُز الذات الضيقة والإجراءات والتفاصيل المباشرة والحاضر والأمر الواقع (ولذا يمكن تسمية «العقل النقدي» بـ «العقل المتجاوز»). فهو لا يذعن لما هو قائم ويتقبله وإنما يمكنه القيام بجهد نقدي تجاه الأفكار والممارسات والعلاقات السائدة والبحث في جذور الأشياء وأصولها وفي المصالح الكامنة وراءها والمعارف المرتبطة بهذه المصالح (وهذا هو الجانب التفكيكي في العقل النقدي). 


6 ـ الحقيقة الكلية التي يدركها العقل النقدي والإمكانيات الكامنة ليست أموراً مجردة متجاوزة للإنسان (الفكرة الهيجلية المطلقة) وإنما هي كامنة في الإنسان ذاته، والعقل النقدي قادر على رؤيتها في كمونها هذا (أي أن الإنسان يحل محل الفكرة المطلقة). 


7 ـ لكل هذا، فالحقيقة لا تُوجَد في الواقع بذاته وإنما تقع بين الواقع الملموس (كما يحدده المجتمع من جهة) والخبرة الذاتية من جهة أخرى. ولذا فالوضع الأمثل هو وضع التوازن بين الذات والموضوع وهذا ما يقدر على إنجازه العقل النقدي وما يفشل فيه تماماً العقل الأداتي. 


8 ـ التاريخ هو عملية كاملة تتحقق من خلالها الذاتية الإنسانية، أي أن التاريخ هو الذي يُردُّ إلى الإنسان (خالق التاريخ) وليس الإنسان هو الذي يُردُّ إلى التاريخ. ولذا، فإن المجتمع في كل لحظة هو تجل فريد للإنسان؛ وتحقق الإمكانية الإنسانية في التاريخ هو الهدف من الوجود الإنساني. 


9 ـ يمكن إنجاز عملية انعتاق الإنسان من خلال التنظيم الرشيد للمجتمع (المبني على إدراك الإمكانية الإنسانية) من خلال الترابط الحر بين أفراد، عند كل منهم نفس الإمكانية لتنمية نفسه بنفس الدرجة وبذا يمتنع الاستغلال. 


10 ـ بإمكان العقل النقدي أن يساهم في هذه العملية من خلال الجهد التفكيكي الذي أشرنا إليه. ويمكنه أيضاً القيام بجهد تركيبي إبداعي، فهو قادر على التمييز بين ما هو جوهري وبين ما هو عرضي، وعلى صياغة نموذج ضدي لا انطلاقاً مما هو مُعطَى وإنما مما هو مُتصوَّر وممكن في آن واحد ويمكن على أساسه تغيير الواقع، أي أن العقل النقدي يطرح أمام الإنسان إمكانية تَجاوُز ما هو قائم دائماً انطلاقاً من إدراكه لما هو ممكن داخله، أي أنه يفتح باب الخلاص والتجاوز أمام الإنسان وهو عكـس التكـيف والإذعـان للأمر الواقع (على طريقة العقل الأداتي). 


ورغم أن مفكري مدرسة فرانكفورت لم يصرحوا بهذا، فيمكن القول بأن الحقيقة الكلية التي يتحدثون عنها هي حقيقة ثابتة، وأن الغاية الإنسانية التي يتحدثون عنها هي غاية نهائية، فكأنهم يعارضون ما هو ثابت ونهائي وكامن ويضعونه مقابل ما هو متغيِّر وآلي وظاهر. ورغم حديثهم الدائم عن المادية والتاريخية، فهم أكثر تركيباً من ذلك. فالكل الاجتماعي الذي يتحدثون عنه والإمكانية الإنسانية الكامنة التي يتعرفون عليها والكل الإنساني الذي لا يمكن فهمه إلا من منظور الغائية الإنسانية الكامنة فيه، هذه كلها ليست مفاهيم علمية مادية وإنما هي مفاهيم فلسفية متجاوزة لعالم الطبيعة/المادة. لكل هذا، يُطلَق على مدرسة فرانكفورت اصطلاح «إنسانية (هيومانية) ميتافيزيقية»، أي أن مقولة الإنسان تصبح مقولة متجاوزة لقوانين الطبيعة/المادة. وان�




الباب الخامس: مصطلحات تشـير إلى تفكيك الإنسان وتقويضه 


التفكيك والتقويض 
«التفكيك» بالمعنى العام هو فصل العناصر الأساسية في بناء ما بعضها عن بعض بهدف اكتشاف العلاقة بين هذه العناصر والثغرات الموجودة في البناء واكتشاف نقط الضعف والقوة. ويمكن أن يتم التفكيك داخل إطار فلسفي إنساني بهدف زيادة إدراكنا للواقع. وفي هذه الحالة، فإن التفكيك أداة تحليلية لا تحمل أي مضمون أيديولوجي. ولكن يمكن أن يتم التفكيك في إطار نموذج الطبيعة/المادة والواحدية المادية بحيث يُرَدُّ كل شيء إلى ما هو دونه حتى نصل إلى الأساس المادي. ولكن عملية التفكيك يمكن أن تستمر فيتضح أن ما يُسمَّى «الأساس المادي» ليس أساساً على الإطلاق، فالمادة في حالة حركة وتَغيُّر ومن ثم لا يمكن أن تكون هناك حقيقة. والفلسفة التفكيكية (ما بعد الحداثة) فلسفة تهاجم فكرة الأساس نفسها (ولذا يُطلَق عليها بالإنجليزية أنتي فونديشناليزم anti-foundationlism) أي رفض المرجعية، وهي تحاول إثبات أن النظم الفلسفية كافة تحتوي على تناقضات أساسية لا يمكن تجاوزها، ومن ثم لا تصبح هذه النظم بذاتها طريقة لتنظيم الواقع وإنما علامة على عدم وجود حقيقة بل مجرد مجموعة من الحقائق المتناثرة فقط، وتصبح كل الحقائق نسبية، ولا يكون ثمة قيم من أي نوع. ومثل هذا التفكيك ليس مجرد آلية في التحليل أو منهجاً في الدراسة وإنما رؤية فلسفية متكاملة وهي فلسفة يؤدي التفكيك فيها إلى تقويض ظاهرة الإنسان وأي أساس للحقيقة. ورائد هذه الفلسفة هو جاك دريدا (تلميذ هايدجر) الذي استخدم في أولى دراساته الفلسفية اصطلاح «تخريب» أو «تقويض» (بالإنجليزية: ديستراكشن destruction)، ثم استخدم مصطلـح «تفكـيك» (بالإنجليزية: دي كونستراكشن deconstruction) ربما ليخبئ الطبيعة العدمية لمشروعه الفلسـفي. 


وفي هذه الموسوعة، نستخدم كلمة «تفكيك» بطريقتين: 


1 ـ التفكيك باعتباره أداة منهجية تُستخدَم في اكتشاف البنية الكامنة لأي نظام فكري أو فلسفي. وعادةً ما يتلازم مع عملية التفكيك عملية تركيب أو إعادة تركيب، أي عملية تأسيس، لأن الهدف هو تعميق الفهم وليس التقويض. والتفكيك هنا ليس إعلاناً الفشل في التوصل للحقيقة وإنما هو فتح لباب الاجتهاد وإدراك لواقع أن ما هو قائم تمكن إعادة تركيبه حتى يمكن تفسيره بشكل أحسن، كما يمكن تغييره إلى الأفضل. 


2 ـ «التفكيك» باعتباره تقويضاً (سعد البازعي ـ ميجان الرويلي)، وهو هنا ليس مجرد آلية وإنما رؤية للكون. 


والاستخدام الثاني هو الأكثر شيوعاً في هذه الموسوعة. ونحن نذهب إلى أن عملية الانتقال من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة هي في جوهرها عملية تفكيك للإنسان، إذ يُرد الإنسان، الذي يتحرك داخل حيزه الإنساني والحيز الطبيعي، إلى المادة وقوانينها، فيُلغي الحيز الإنساني ولا يبقى سوى الحيز الطبيعي/المادي، وبدلاً من أن يكون الإنسان كائناً مركباً متكاملاً، الإنسان الإنسان، فإنه يصبح الإنسان الطبيعي أو الإنسان الوظيفي الذي يمكن تفسيره من خـلال النماذج الموضوعية الرياضية والذي تحركه غرائزه الوحشية المظلمة القابعة فيه (وهذه هي الاستنارة المظلمة). وقد تحدَّث هوبز عن الإنسان باعتباره "ذئباً" لأخيه الإنسان، وتحدَّث داروين عن علاقة القرد بالإنسان، وأجرى بافلوف تجاربه على "الكلاب" وافترض أن النتائج التي توصل لها تنطبق على الإنسان، وهذه هي عملية التقويض التي يقوم بها الفكر العلماني الشامل. ويُلاحَظ أنه يوجد في معجم الحضارة الغربية الحديثة عدد كبير من الأفعال تبدأ بمقطع «ديde» أو «ديسdis» وكلها أفعال ذات طابع تفكيكي تقويضي، تُعبِّر عن جوهر المشروع التحديثي التفكيكي الغربي. 


ومع هذا يمكن القول بأن المشروع التحديثي الغربي ليس تفكيكياً وحسب وإنما هو أيضاً مشروع تأسيسي، فهو يعيد تركيب الكون على أساس نموذج الطبيعة/المادة والمطلقات العلمانية المختلفة التي تَرُد الإنسان إلى هذا العنصر المادي أو ذاك. فالمنظومة الداروينية، على سبيل المثال، تعيد تركيب المجتمع على أساس أنه غابة مظلمة ظالمة يتصارع فيها الإنسان مع الحيوان والإنسان مع الإنسان، فهي حرب يخوضها الجميع ضد الجميع. 
نزع القداسة عن العالم (الإنسان والطبيعة( 
»نَزْع القداسة عن العالم» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي سانكتيفاي desanctify» أو «دي ساكرالايز desacralize» التي تعني نزع القداسة عن الظواهر كافة (الإنسان والطبيعة) بحيث تصبح لا حرمة لها ويُنظَر لها نظرة طبيعية/مادية صرفة لا علاقة لها بما وراء الطبيعة. أي أن نزع القداسة عن العالم هو نتيجة حتمية للإيمان بفعالية القانون الطبيعي في مجالات الحياة كافة (الطبيعية والإنسانية، العامة والخاصة). وإذا ما تم ذلك، فإن العالم (الإنسان والطبيعة) يمكن أن يصبح مادة استعمالية يمكن توظيفها والتحكم فيها وترشيدها وتسويتها وحوسلتها، وهو أمر يستحيل إنجازه إن كانت هناك قداسة في المادة وإن كانت هناك حرمات تضع حدوداً على سلوك الإنسان وعلى حريته. ونزع القداسة يعني فرض الواحدية المادية على الكون بحيث يسري قانون واحد على كل الأشياء. ونزع القداسة يؤدي إلى ظهور نزعة إمبريالية لدى الإنسان، فهو ينظر إلى العالم باعتباره مادة نافعة له يمكنه توظيفها لحسابه ويصبح الهدف من المعرفة هو زيادة التحكم. وحيث لا توجد قداسة أو حرمات أو مرجعيات أخلاقية، فلا حدود لعملية الغزو. 


نزع السر عن الظواهر 
»نزع السر عن الظواهر» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي ميستفاي demystify»، وهي من كلمة «ميستري mystery» التي تعني «السر» بالمعنى الديني (ويُقال «ميستري ريليجنز mystery religions» أي «ديانات الأسرار»). ويمكن القول بأن أقرب كلمة لها في معجمنا الثقافي هي كلمة «غيب». وتُستخدَم كلمة «سر» لتشير إلى أن الإنسان، والظواهر كافة، تحوي داخلها من الأسرار والغيب ما لا يمكن الوصول إليه، وأن على الإنسان أن يدرك هذا ويدرك أن عقله لن يحيط بكل شيء. ولأن العالم يحوي أسراراً، فهو عالم متنوع كل ظاهرة فيه تحوي قدراً من التفرد. أما كلمة «مستفاي mystify»، فهي كلمة ذات طابع قدحي، إذ تشير إلى عملية تعمية واعية مقصودة. ويرى كثير من دعاة الاستنارة(في الإطار المادي) أن أهم مهام العقل هي نزع الأسرار عن كل الظواهر (ومنها الإنسان) وتفكيكها وردها إلى قوانين الحركة المادية العامة (ورؤيتها في إطار الواحدية الكونية المادية)، وبذا تصبح الظواهر كافة متشابهة واضحة قابلة للدراسة. وتُعبِّر كلمات مجنون نيتشه عن ألم الإنسان الحديث الناجم عن نجاحه في نزع السر، فهو يسأل كيف تَأتَّى للإنسان أن يمحو الأفق ويجفف البحار بحيث أصبح العالم من حولنا مادة خراب لا أسرار فيها ولا قداسة؟ 


كشف حقيقة الأسطورة 
«كشف حقيقة الأسطورة» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي بنك debunk»، وهي تُستخدَم عادةً للإشارة إلى أية عملية تهدف إلى تحطيم أية مثاليات أو أي نُبل أو أية أحلام نبيلة بالتجاوز قد يشعر بها الإنسان، وذلك حتى يكتشف بصورة لا تقبل الشك حقيقة دوافعه المادية/الطبيعية. وهذه عملية قد تتم في الواقع، ولكن المصطلح يشير عادةً إلى الأعمال الأدبية. ففي أعمال برنارد شو ـ على سبيل المثال ـ كثيراً ما تتصور إحدى الشخصيات أنها مدفوعة بحب مثالي حقيقي لشخصية أخرى، ولكنها تكتشف بعد قليل أنها مدفوعة في واقع الأمر بحب القوة والسيطرة والشهوة الجنسية وحسب، أي أن الشخصية تكتشف أن الإنسان إن هو إلا مجموعة من الدوافع الطبيعية/المادية. وكثيراً ما يشار إلى هذا بأنه «واقعية»، وتَقبُّله هو تَكيُّف مع الأمر الواقع الذي لا أسرار فيه والذي يضرب بجذوره في عالم الطبيعة/المادة. وهذا يُفسِّر تزايد استخدام «الأيروني irony» في الآداب الغربية الحديثة، فهو صيغة أسلوبية تهكمية تهدف إلى تنبيه الإنسان إلى وجود فرق شاسع بين أحلامه النبيلة التي تُحلِّق في السماء وواقعه الخسيس الذي لا أسرار فيه، الساقط في حمأة المادة، الخاضع لقوانينها. 


تحرير العالم من سحره وجلاله 
«تحرير العالم من سحره وجلاله» ترجمة للعبارة الإنجليزية «ديس إنتشامنت أوف ذي ورلد disenchantment of the world» التي تَرد في كتابات ماكس فيبر. ويشير هذا المصطلح إلى عملية استبدال المجتمع الغربي للتصورات الدينية الغيبية والوسائل السحرية بتصورات علمية، بحيث يدرك الإنسان أن العالم يتحرك وفقاً لقوانين عقلانية مادية قابلة للاكتشاف لا وفق قوى غامضة غير محسوبة مستعصية على الفهم. 


وفعل «ديس إنتشانت disenchant» باللغة الإنجليزية فعل مبهم، فهو يعني «إزالة الغشاوة»، وهو معنى إيجابي بمعنى أن يرى الإنسان الأمور على ما هي عليه. ولكنها تعني أيضاً «خيبة الأمل والظن»، وهو معنى سلبي بمعنى أن الإنسان حينما يعرف حقيقة شخص ما، فإن الصورة المثالية المضيئة تسقط لتحل محلها صورة واقعية مظلمة. وإبهام المصطلح مناسب جداً، فهو يصف المشروع التحديثي الغربي الذي بدأ بأوهام الاستنارة المضيئة في أن يعتمد الإنسان على عقله (المادي) وحسب، فيزيل كل الغشاوات التي تراكمت عليه عبر عصور الظلام السابقة ويرفض أية غيبيات أو مثاليات أو مطلقات ليصل إلى الجوهر (المادي الحقيقي) للأشياء ويُدرك هيمنة الواحدية المادية. وكان المفروض أن هذا سيؤدي إلى سعادة الإنسان وسيطرته على نفسه وعلى العالم. ولكن الإنسان عندما فعل ذلك، قام بتفكيك العالم ورده إلى عناصره المادية ففقد العالم (الإنسان والطبيعة) سحره وجلاله وجميع عناصر القداسة والسر فيه وأصبح مادة محضة، وأصبح كل شيء فيه محسوباً. ويمكن السيطرة عليه وحوسلته. ولذا، فإن المصطلح يُترجَم أحياناً بعبارة «خيبة العالم» و«تَشيُّؤ العالم». 


تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية 
«تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي هيومانايزيشن dehumanization» وهي تعني إنكار وقمع تلك الصفات والأفكار والنشاطات التي تُميِّز الإنسان عن غيره من الكائنات ومنع تحقيق الإمكانيات الإنسانية للإنسان (مقابل خصائصه الطبيعية المادية التي يشترك فيها مع غيره من الكائنات). ومن ثم، يمكن القول بأن العبارة مترادفة مع كلمة «اغتراب». 


وتُستخدَم العبارة للإشارة إلى تلك الاتجاهات في الحضارة الحديثة التي تُجرِّد الإنسان من إنسانيته وتَحوِّله إلى شيء ضمن الأشياء، أي تستوعبه وتُسلِّعه وتُنكر عليه حرية الاختيار والمقدرة على التجاوز وتحقيق كليته الإنسانية المركبة المتجاوزة للحتميات الطبيعية المادية وللأنماط الطبيعية المتكررة. 


ورغم أن الكلمة تتواتر في العلوم الاجتماعية الغربية لوصف جانب مهم من حياة الإنسان في العصر الحديث، فإنها تظهر بشكل واضح في الأدب والنقد الأدبي. فقد رصد الأدب الحداثي بعناية فائقة الكيفية التي يتحول بها الإنسان إلى ما هو دون الإنسان في "الأرض الخراب" التي تكِّون العصر الحديث. 


أما في النقد الأدبي، فالموضوع أكثر تواتراً. وقد لاحظ لوكاتش ما سماه بسقوط الذات المتكاملة وسقوط الشخصية في الأدب، وهو ما يعبِّر عن تزايد معدلات تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية. فالشخصيات الأدبية في القرن التاسع عشر شخصيات لها سمات فريدة متكاملة تتطور فرديتها من خلال التفاعل الاجتماعي، أما شخصيات الأدب الحداثي فهي تعيش في عزلة كاملة بين عناصر مجردة متصارعة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها أو تواجه ألغازاً لا حل لها أو عالماً عبثياً لا معنى له. ويُلاحظ لوكاتش أن الشخصية في الفن التعبيري والتكعيبي يتم تفكيكها ثم يعاد تركيبها على أسس هندسية ولكنها تختفي تماماً في الفنون التجريدية. 


وهذا أيضاً هو الموضوع الأساسي في مقال خوزيه أورتيجا يي جاسيت (1883 ـ 1955) "تجريد الفن من الخصائص الإنسانية". فهو يرى أن الفن الغربي (حتى القرن التاسع عشر) كان يتعامل مع الواقع المعاش، ولذا كان ممتلئاً بمضمـونه الإنسـاني، وكانت الأفكار الفنية تشير إلى أشياء في عالم الطبيعة. أما في القرن العشرين، فقد جُرِّد الفن من خاصيته الإنسانية وأصبح فناً غير إنساني، لا لأنه لا يحتوي على أية سمات إنسانية وإنما لأنه متجرد بشـكل واع من أية خاصية إنسـانية. وتظهر لا إنسـانية هذا الفن في تحاشيه الأشكال الحية (بل اشمئزازه منها، وهو ما يُعبِّر عن اشمئزاز كامل من الحضارة الإنسانية بأسرها). وفي محاولة تحاشي أي مضمون إنساني أو حي، أصبح الفن يشبه اللعبة التي لا تخضع إلا لقوانينها هي. وهذا الفن لا يتعامل مع موضوعات الإنسان الكبرى وإنما هو فن صغير يرفض المحاكاة ويلجأ للرموز المغلقة ولكشف عناصر المفارقة. وهذا الفن لا رسالة له بل يؤكد أنه ليست له أية نتائج ذات طابع متجاوز. والسمة الأساسية هنا هي تراجع ما هو إنساني ومتعيِّن وحي وظهور ما هو نمطي شيئي مجرد، غير إنساني، واحديّ ماديّ. 


إزاحة الإنسان عن المركز 
«إزاحة الإنسان عن المركز» ترجمة للعبارة الإنجليزية «دي سنترينج مان decentering man» وهي عبارة تتواتر في الخطاب ما بعد الحداثي والتي تعني أن الإنسان قد وضع نفسه في مركز الكون وفرض نفسه كمرجعية نهائية عليه، دون وجه حق، ولذا تجب إزاحته عن المركز تماماً، بحيث يصبح مركز الكون إما الطبيعة/المادة وأية تنويعات عليها (في مرحلة الواحدية الموضوعية المادية الصلبة)، أو يصبح الكون بلا مركز (في مرحلة السيولة الشاملة(. 


إسقاط السمات الشخصية 
«إسقاط السمات الشخصية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي بيرسونالايزيشن depersonalization» (وهي تشير إلى سمة في الحضارة الحديثة، وهي حضارة جماهيرية تتسم بالاتجاه نحو التنميط الذي ينتقل من عالم الأشياء إلى عالم الإنسان). والإنسان في المجتمع الحديث إنسان عملي مرن يحاول أن يتكيف مع واقعه، ولكن عملية التكيف هذه تعني في واقع الأمر تنميطه وفقدانه ما يُميِّزه كفرد متفرِّد حتى يصبح جزءاً من الحركة الجماهيرية، كتلة غير متميزة المعالم ليس له أية أبعاد جوانية، فهو سطح كامل لا شخصية له ولكنه قادر على أن يلعب أدواراً مختلفة بكفاءة عالية. على أن ما يساعد على إسقاط السمات الشخصية هو هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية في المجتمعات الحديثة. 


الداروينية الاجتماعية 
«الداروينية» ترجمة لكلمة «داروينيزم Darwinism» الإنجليزية، ويُقال لها أيضاً «الداروينية الاجتماعية». وهي كلمة منسوبة إلى اسم تشارلز داروين (1731 ـ 1820). وهي فلسفة علمانية شاملة، واحدية عقلانية مادية كمونية تنكر أية مرجعية غير مادية، وتستبعد الخالق من المنظومة المعرفية والأخلاقية وتَرُد العالم بأسره إلى مبدأ مادي واحد كامن في المادة وتدور في نطاق الصورة المجازية العضوية والآلية للكون. والآلية الكبرى للحركة في الداروينية هي الصراع والتَقدُّم اللانهائي وهو صفة من صفات الوجود الإنساني. وقد حققت الداروينية الاجتماعية ذيوعاً في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي تَعثَّر فيها التحديث في شرق أوربا، وبدأ فيها بعض يهود اليديشية في تبنِّي الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، كما بدأ التشكيل الإمبريالي الغربي يتسع ليقتسم العالم بأسره. ويمكن القول بأن الداروينية هي النموذج المعرفي الكامن وراء معظم الفلسـفات العلـمانية الشاملة، إن لم يكن كلـها. 


ويرى دعاة الداروينية الاجتماعية أن القوانين التي تسري على عالم الطبيعة والغابة هي نفسها التي تسري على الظواهر الإنسانية، التاريخية والاجتماعية. وهم يذهبون إلى أن تشارلز داروين قد وصف هذه القوانين في كتابيه الكبيرين: حول أصل الأنواع من خلال الانتخاب الطبيعي و بقاء الأجناس الملائمة في عملية الصراع من أجل الحياة . وقد ذهب داروين إلى أن الكون بأسره سلسلة متواصلة في حالة حركة من أسفل إلى أعلى وأن الإنسان إن هو إلا إحدى هذه الحلقات، قد يكون أرقاها ولكنه ليس آخرها. ويرى داروين أن تَقدُّم الأنواع البيولوجية الحية يعتمد على الصراع من أجل البقاء الذي ينتصر فيه الأصلح. إن عالم داروين عالم مستمر مغلق لا ثغرات فيه ولا فراغات ولا مسافات، فكل حلقة تؤدي إلى التي تليها، تماماً كما هو الحال مع عالم إسبينوزا ونيوتن حيث تحرِّك كل عجلة العجلة التي بجوارها (وبالفعل، وصف أحدهم داروين بأنه نيوتن العلوم البيولوجية). وهكذا تؤدي اليرقة إلى القرد، والقرد إلى الإنسان بطريقة آلية (تماماً كما تتحرك الأجسام تحت تأثير قانون الجاذبية وكما تتحول الأفكار الجزئية إلى أفكار كلية بطريقة آلية في منظومة لوك). 


وهذا هو تَصوُّر داروين أو فرضيته. ولكنه كان في واقع الأمر عاجزاً تماماً من الناحية العلمية عن إثبات كثير من فرضياته. ولذا فهناك حديث عن الحلقة المفقودة، وهي تعني وجود مسافة بين القرد والإنسان، ولذا فقد تحدثوا عن الطفـرة بمعنى سَد الثغرة في الزمان بدون سـبب واضح، وتم فرض الاستمرارية والواحدية دون وجود شواهد مادية علمية. ومع هذا، ذهب دعاة الداروينية الاجتماعية إلى أن فرضية داروين نظرية وحقيقة علمية، ثم نقلوا هذه الفرضية من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسان، وقرروا أن العلاقة بين الكائنات الحية في الطبيعة لا تختلف عن العلاقات بين الأفراد داخل المجتمعات الإنسانية، ولا عن العلاقات بين المجتمعات والدول. وعلى هذا، تم استخدام النموذج الدارويني لا لتفسير الطبيعة/المادة وحسب وإنما لتفسير حياة الإنسان الفرد في المجتمعات، وفي تفسير العلاقات بين الدول والمجتمعات على المستوى الدولي. 


وقد وُظِّفت الداروينية الاجتماعية في تبرير التفاوت بين الطبقات داخل المجتمع الواحد وفي الدفاع عن حق الدولة العلمانية المطلقة وفي تبرير المشروع الإمبريالي الغربي على صعيد العالم بأسره. فالفقراء في المجتمعات الغربية وشـعوب آسـيا وأفريقيا (والضعفاء على وجه العموم) هم الذين أثبتوا أن مقدرتهم على البقاء ليست مرتفعة، ولذا فهم يستحقون الفناء أو على الأقل الخضوع للأثرياء ولشعوب أوربا الأقوى والأصلح. 


ويمكن تلخيص الأطروحات الأساسية في الداروينية الاجتماعية على النحو التالي: 


1 ـ كل الأنواع العضوية ظهرت من خلال عملية طويلة من التطور، وهي عملية حتمية شاملة تشمل كل الكائنات (وضمن ذلك الإنسان) وكل المجتمعات في المراحل التاريخية كافة. 


2 ـ العالم كله في حالة تَطوُّر دائم، وهذا التطور يتبع نمطاً واضحاً متكرراً رغم أن التطور قد يكون بطيئاً وغير ملحوظ أحياناً، وقد يأخذ شكل طفرة فجائية واضحة أحياناً أخرى. 


3 ـ تتم عملية التطور من خلال صراع دائم بين الكائنات والأنواع. فالصراع دموي حتمي، وهو صراع جماعي لا فردي. 


4 ـ السبب الذي يؤدي إلى تَغيُّر الأنواع هو الاختيار الطبيعي الذي يؤثر في جماعات الكائنات العضوية ويترك عليها آثاراً مختلفة. 


5 ـ الكائن أو النوع الذي ينتصر على الكائنات والأنواع الأخرى، ويحقق البقاء المادي لنفسه، يثبت بالتالي أنه أرقى من الأنواع الأخرى إذ حقق البقاء على حسابها، فبقي هو بينما كان مصيرها الفناء. 


6 ـ تحقِّق الكائنات البقاء إما من خلال التكيف (البرجماتي) مع الواقع فتتلون بألوانه وتخضع لقوانينه، أو تحققه من خلال القوة وتأكيد الإرادة (النيتشوية) على الواقع، والبقاء من نصيب الأصلح القادر على التكيف والأقوى القادر على فرض إرادته. ومن أشكال التكيف، الانتقال من التجانس (البسيط) إلى اللاتجانس (المركب). 


7 ـ مهما كانت آلية البقاء، لا علاقة لها بأية قيم مطلقة متجاوزة، مثل الأمانة أو الأخلاق أو الجمال، فالبقاء هو القيمة المحورية في المنظومة الداروينية التي تتجاوز الخير والشر والحزن والفرح. 


8 ـ النوع الذي ينتصر يورث الخصائص التي أدت إلى انتصاره (سر بقائه) إلى بقية أعضاء النوع، بمعنى أن التفوق يصبح عنصراً وراثياً. 


9 ـ هذا يعني استحالة وجود مساواة مبدئية بين الأنواع أو بين أعضاء الجنس البشري. 


10 ـ مع تزايد معدلات التطور، تصبح هناك كائنات أكثر رقياً من الكائنات الأخرى بحكم بنيتها البيولوجية، ومن ثم يصبح للتفاوت الثقافي أساس بيولوجي حتمي.




ولعله لا توجد فلسفة أثرت في عصرنا الحديث أكثر من الفلسفة الداروينية، كما لا توجد فلسفة بلورت الرؤية العلمانية للكون أكثر من الفلسفة الداروينية: 


1 ـ فقد رسخت الفلسفة الداروينية أفكار الواحدية المادية التي تذهب إلى أن العالم إن هو إلا مادة واحدة صدر عنها كل شيء، مادة خالية من الغرض والهدف والغاية ولا توجد داخلها مطلقات متجاوزة من أي نوع. فالعالم طبيعة، والطبيعة محايدة لا تعرف الخير أو الشر أو القبح أو الجمال. ولا توجد أية ثغرات في الكون إذ أن المنطق المادي حتمي شامل يشمل كل شيء. ولا توجد ثنائيات في الكون إذ يُرَد كل شيء إلى المادة ويُفسَّر كل شيء بالتطور المادي. ومع هذا، توجد الثنائيات الاجتماعية الصلبة: الأقوياء/الضعفاء ـ الأثرياء/الفقراء ـ السادة/العبيد ـ القادرون على البقاء/ضحايا الصراع. 


2 ـ الإنسان إن هو إلا جزء من هذه الطبيعة وهذه المادة، وقد صدر هو أيضاً عنهما من خلال عملية التطور، إذ لا يوجد سوى قانون طبيعي واحد يسري على الإنسان والأشياء، فالوجود الإنساني نفسه يتحقق من خلال الآليات التي يتحقق من خلالها وجود كل الكائنات الأخرى، أي الصراع والقوة والتكيف. وهو وجود مؤقت، تماماً مثل مكانته في قمة سلم التطور، إذ أنه حتماً سيفقد مكانته هذه من خلال سلسلة التطور التي دفعته إلى القمة. بل يمكن القول بأن الأميبا من منظور تطوري صـارم أكثر تميزاً من الإنسـان لأنها حققت البقاء لنفسها مدة أطول من الإنسـان. والإنسان، شأنه شأن الأميبا، لا يتمتع بأية حرية ولا يحمل أية أعباء أخلاقية، فالقوانين الأخلاقية هي مجرد تَطوُّر لأشكال من السلوك الحيواني الأقل تطوراً والحرص الغريزي على البقاء البيولوجي. وهذا يعني أن القانون الأخلاقي، وكل القوانين، هي قوانين مؤقتة نسبية، ترتبط بحلقة التطور التي أفرزتها، ولذا يتم الاحتفاظ بالقوانين طالما أنها تخدم المرحلة. ومن ثم فإن الأخلاق المطلقة تقف ضد التقدم العقلاني المادي، وخصوصاً إذا كانت أخلاقاً دينية تدعو إلى حماية الأضعف والأقل مقدرة إلى الإشفاق عليه والعناية به. وهذا يعني أن كل الأمور نسبية تماماً ولا توجد أية مطلقات، ولذا يمكن القول بأن النظرية الداروينية هي الأساس العلـمي للفـكر النسبي. وإذا كان التـطور يتم أحياناً عن طريق الصـدفة، وتحــدده الحـوادث العارضة، فيمكن القول بأن النظرية الداروينيـة هي أيضاً أساس الفكر العبثي. 


3 ـ إذا كان الأمر كذلك، فإن أفضل طريقة لتفسير سلوك الإنسان ووجوده لا يمكن أن تتم إلا من خلال النماذج الطبيعية المادية، ومن هنا حتمية وحدة العلوم. وإذا كان للظاهرة تاريخ، فهو تاريخ مادي يمكن دراسته من خلال دراسة بنية الظاهرة المادية. وقد قام داروين نفسه بتفسير الظواهر البيولوجية من خلال دراسة تاريخها البيولوجي. وكما قال أحد الباحثين فإن هذا يعني في واقع الأمر عدم وجود أي فارق أساسي بين مجموعة من الشبان الذين يختطفون فتاة ويغتصبونها ثم يقتلونها وقطيع من الذئاب تهاجم ظبياً وتلتهمه. فكلاهما تدفعه غريزة طبيعية مادية قوية. ولعل الفارق الثانوي الوحيد أن الشبان قد هاجموا عضواً من نفس نوعهم، وهو الأمر الذي يعوق عملية البقاء (وهذا هو المنطق الوحيد المقبول في إطار دارويني عقلاني مادي). 


4 ـ ورغم الواحدية المادية التي تَصدُر عنها الداروينية، ورغم رفضها لأن تكون أية نقطة متجاوزة للمادة مصدراً للحركة، ورغم أنها تفترض عدم وجود مخطط إلهي وراء الكون، فإنها مع هذا كله تفترض وجود غائية طبيعية كالتطور باعتبـاره حركة من نقطة أدنى إلى نقطة أعلى ومن التجانس البسيط إلى اللاتجانس المركب، حركة حتمية تماماً مثل التقدم الحتمي الذي تفترضه معظم الأيديولوجيات العلمانية. والغائية التي يطرحها داروين غائية غير متجاوزة تأخذ شكل إيمان بأن هناك غاية كامنة في الطبيعة نفسها. لكن هذه الغائية قد تكون زيادة في التركيب والتطور من البسيط إلى المركب، وقد تكون شيئاً يُسمَّى «إرادة الحياة» أو «القوة»، وقد يكون شكلاً من أشكال الوعي ظهر بالصدفة من خلال عملية كيماوية زادت المادة تركيباً. والمهم أن التطور، مهما بلغ بالكائنات من ارتفاع ورقي، فليس ثمة تجاوز إذ أن كل شيء (وضمن ذلك الإنسان) أصله مادي ويُرَد إلى المادة. وينطبق الشيء نفسه على نظرية الأخلاق، فالبقاء هو القيمة الوحيدة، والصراع هو الآلية، والأنانية وحب الذات هما مصدر الحركة، ولذا فإن العالم هو ساحة قتال بين الذئاب من البشر (والإنسان ذئب يفترس أخاه الإنسان) وبين الأمم التي لابد أن تصرع بعضها بعضاً لغاية البقاء، فهي حرب الجميع ضد الجميع. ولا توجد قيمة مطلقة لأي شيء، إذ أن ما يحدد القيمة هو القدرة على الصراع والبقاء. ويمكن القول بأن النظرية الداروينية هي خليط من الصورة المجازية العضوية والصورة المجازية الآلية، فالكون في حالة تَطوُّر عضوي مستمر، يتبع نمطاً ثابتاً لا يتغيَّر، ومن ثم لا يختلف التطور العضوي عن الحركة الآلية في النمطية أو الرتابة. 


وقد تبدَّت هذه المنظومة الداروينية بشكل واضح في الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، من إنكار قيمة أي شيء أو أية مرجعية متجاوزة إلى تأكيد ضرورة التنافس والصراع والإصرار على حرية السوق وآلياته وعدم تدخُّل الدولة بحيث يهلك الضعفاء ولا يبقى سوى الأقوياء. والإمبريالية هي تدويل للرؤية الداروينية حيث أصبح العالم كله سـوقاً، مسرحاً لنشـاط الإنسـان الأبيـض المتفـوق الذي أباح لنفسـه قتل الآخر ضماناً لبقائه وتأكيداً لقوته. وقد ساهمت الداروينية أيضاً في تزويد النظريات العرْقية الغربية والتجارب الخاصة بتحسين الأجناس والنسل والقتل الرحيم على أساس علمي. 


كما هيمنت النظرية التطورية (ذات الأصل الدارويني) على العلوم الاجتماعية. فالإيمان بالتقدم والحتمية التاريخية جميعها أشكال من التطورية. وهناك كثير من النظريات التاريخية والاجتماعية تُعَد تطبيقات لمبدأ التطور من التجانس البسيط إلى اللاتجانس المركب. فقد درس هربرت سبنسر التاريخ باعتباره تطوراً من المجتمع العسكري إلى المجتمع الصناعي، ورآه دوركهايم تطوراً من التضامن الميكانيكي إلى التضامن العضوي، ورآه ماركس تطوراً من الشيوعية البدائية إلى الشيوعية المركبة (عبر حلقات محددة: المجتمع العبودي فالإقطاعي فالرأسمالي فالاشتراكي). بينما بيَّن أوجست كونت أن التطور هو تَطوُّر من مجتمع يستند إلى السحر إلى مجتمع يستند إلى الدين وصولاً إلى المجتمع الحديث الذي يستند إلى العلم. والفكر العرْقي الغربي هو فكر تطوري إذ يرى أن الإنسان الأبيض هو آخر حلقات التطور وأعلاها، ولذا فله حقوق معينة. وقد تبلور الفكر التطوري العرْقي في الأيديولوجيا النازية التي تبنت تماماً فكرة وحدة العلوم وَطبَّقت القوانين الطبيعية بصرامة على الكافة، وحاولت الاستفادة من قوانين التطور من خلال قواعد الصحة النازية (إبادة المعوقين والمتخلفين عقلياً وأعضاء الأجناس الأخرى) ومن خلال محاولات تحسين النسل عن طريق التخطيط وعقد زيجات أو تنظيم علاقات إخصاب تؤدي إلى إنجاب أطفال آريين أصحاء. 


والفكر الصهيوني، مثله مثل الفكر النازي، ترجمة للرؤية الداروينية، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين باسم حقوقهم اليهودية المطلقة التي تَجُبُ حقوق الآخرين، كما أنهم جاءوا إلى فلسطين ممثلين للحضارة الأوربية يحملون عبء الرجل الأبيض. وهم، نظراً لقوتهم العسكرية، يملكون مقدرة أعلى على البقاء. أي أنهم جاءوا من الغرب مسلحين بمدفعية أيديولوجية وعسكرية داروينية علمانية ثقيلة، وقاموا بتسوية الأمور من خلال الموقع 


الدارويني النيتشوي فذبحوا الفلسطينيين وهدموا قراهم واستولوا على أراضيهم، وهي أمور شرعية تماماً من منظور دارويني علماني، بل واجبة. ولعل تَأثُّر معظم المفكرين الصهاينة بنيتشه أمر له دلالته في هذا المقام.


الاغــــــتراب 
«الاغتراب»(ويشار إليه أيضاً بـ «الاستلاب») ترجمة للكلمة الإنجليزية «إلينيشن alienation» التي تعني ببساطة «حالة انفصال» أو «غربة» أو «استلاب» والإحساس بأن الإنسان ليس في بيته وموطنه أو مكانه (ومن هنا نقول "الغريب أو المسافر يشعر بالغربة"). وهي من الفعل اللاتيني «إليناري alienare» بمعنى «ينزع» و«يأخذ عنوة» (من كلمة «إلينوس alienus» اللاتينية، أي «ينتمي إلى شخص آخر أو مكان آخر» من كلمة «أليوس alius» التي تعني «الآخر»). وقد تبلور معنى الكلمة ليشير إلى تلك الحقوق التي يتمتع بها المواطن ولا يملك أحد نزعها (كما في العبارة الإنجليزية: «إناليانبل رايتس inalienable rights» أي «الحقوق الثابتة». وتعني الكلمة في الطب «الاضطراب العقلي الذي يجعل الإنسان غريباً عن ذاته ومجتمعه ونظراته». أما في الفلسفة فإن الكلمة تشير إلى «غربة الإنسان عن جوهره وتنزُّله عن المقام الذي ينبغي أن يكون فيه»، كما تشير إلى «عدم التوافق بين الماهية والوجود»، فالاغتراب نقص وتشويه وانزياح عن الوضع الصحيح. 


ومع عصر النهضة وظهور المرجعية المادية الكامنة تمت علمنة معنى الاغتراب، فاغتراب الإنسان هو اغترابه عن ذاته وجوهره الإنساني وعن إمكانياته الإنسانية وعن الآخرين (المجتمع). فالاغتراب في فلسفة هوبز مسألة خاصة بعلاقة الفرد بالمجتمع. فحالة الطبيعة هي حالة تربص ذئبية كاملة ولا يستطيع الإنسان أن يحقق أمنه وبقاءه (الحالة الإنسانية) إلا من خلال الدولة/التنين، فكأن الإنسان يمكنه أن يتجاوز الاغتراب من خلال الدولة العلمانية. أما روسو فقد رأى أن الاغتراب هو انقطاع الإنسان عن طبيعته الأصلية التي يمكن أن تكون إما أصوله البدائية أو طبيعته الجوهرية الثابتة، والتغلب على الاغتراب هو العودة إلى هذا الجوهر (الثابت أو البدائي). ولعل طرح هيجل للموضوع هو أهم الأطروحات الحلولية الكمونية العلمانية. فالاغتراب عنده هو انفصال الجزء عن الكل، ويحدث هذا عندما يقوم العقل المطلق (الفكرة المطلقة ـ الإله) بخلق الطبيعة والإنسان، فهو بذلك قد طرح جزءاً منه خارجه وأصبح هذا الجزء غريباً عنه (وهذا ما يُسمَّى باغتراب الوعي عن عالم الطبيعة والأشياء الطبيعية، وانقسام الذات عن الموضوع) والخلاص هو عملية إنهاء الغربة وحالة النفي. وهي حالة لا يستطيع الإله أن يقوم بها إذ لابد للإنسان أن يقوم بها فيعيد للإله (العقل المطلق) سيطرته على الطبيعة من خلال فهمه لها وسيطرته عليها وتوحده بها (التوصل للغنوص) بحيث تصبح الذات موضوعاً والعقل واحداً مع الطبيعة، أي أن العقل المطلق يستعيد الطبيعة من خلال فهم العقل المتناهي (الإنسان) لها والسيطرة عليها. وليس التاريخ سوى محاولة الإنسان الدائبة أن يتعرف على الطبيعة ومن ثم تنمية وعيه بالمطلق. 


وقد رفض فيورباخ وحدة الوجود الروحية وطرح بدلاً منها وحدة وجود مادية، فأنكر أن يكون الإنسان إلهاً مغترباً عن ذاته، فالعكس هو الصحيح، فالإنسان خلق الإله وأسقط عليه جوهره الإنساني ثم خرّ له ساجداً وكأن الإله هو الذي خلقه. ولذا، لكي يتجاوز الإنسان غربته، عليه أن يُسقط فكرة الإله ويكتشف جوهره الإنساني. 


وافق ماركس على موقف فيورباخ وأضاف أن الغربة الدينية ليست إلا أحد أشكال غربة الإنسان عن ذاته، فالإنسان هو الذي يصنع طبيعته ويصوغها (فهو ليس له طبيعة أصلية أو جوهرية). ولكنه بدلاً من أن يركز على مظهره الإنساني فإنه يخلق الإله من نفسه (كما يقول فيورباخ) والأكثر من هذا أنه يخلق من نفسه كذلك قوانين ومبادئ ومؤسسات اجتماعية وفلسفات وسلعاً مادية ورؤوس أموال وينفصل عنها فيشعر بالاغتراب وكأنها لم تكن له وكأنه ليس خالقها، ثم يبث فيها من روحه حتى تدب فيها الحياة فتتوثن هي ويتشيأ هو فتستحيل مخلوقات مستقلة يقوم هو بعبادتها. فالإنسان المغترب عن ذاته ليس في الحقيقة إنساناً، فهو لم يعرف نفسه ولم يع تاريخه أو إمكانياته. أما الإنسان غير المغترب، فهو الإنسان الحقيقي الذي يتجاوز حالة الانفصال هذه ويتحكم في الطبيعة وفي كل ما تنتجه يداه، ويحقق لنفسه الحرية ويتحكم في مصيره. 


وأسباب الاغتراب عند ماركس ذات طبيعة اقتصادية مادية كامنة في علاقات الإنتاج والهيمنة الطبقية: 


1 ـ يغترب الإنسان عن عمله في المجتمع الرأسمالي لأنه يبيعه. 


2 ـ يغترب الإنسان عن طبيعة عمله نفسها، فبدلاً من أن يكون العمل مصدراً لتحقيق ذاته وتجسيداً لقواه الإبداعية، فإنه في المجتمع البورجوازي يصبح شكلاً من أشكال السخرة. 


3 ـ يغترب الإنسان عن الآخرين لأن جوهر العلاقات الاجتماعية في النظام الرأسمالي هو التنافس. 


4 ـ يغترب الإنسان عن الطبيعة الإنسانية الجوهرية ويغترب أيضاً عن فكرة الكل وما يميِّز الإنسان عن الحيوان هو أن الحيوان يتكيف مع بيئته، أما الإنسان فإنه يسيطر عليها بوعي. وتحت حكم الرأسمالية، يفقد العامل عنصر السيطرة ويصبح في مرتبة الحيوان (أي أن المرجعية الإنسانية المتجاوزة تتهاوى لتحل محلها المرجعية الكامنة في الحيوان). 


ويمكن إلغاء حالة الاغتراب من خلال الثورة وتغيير علاقات الإنتاج فيصبح العامل حراً ليعبِّر عن إمكانياته الإبداعية التي يجسدها ثمرة عمله، ولن تصبح حياة الإنسان شظايا مفتتة بل سيصبح كلاً متكاملاً. 


وثمة مشكلة أساسية في مفهوم ماركس للاغتراب وبخاصة جوهر الإنسان، وتتلخص فيما يلي: هل جوهر الإنسان محايث للإنسان من حيث هو إنسان، أي جوهر مطلق (متجاوز) لا يخضع في تحديده إلى التاريخ أو إلى الشروط الاجتماعية، أم أن الجوهر الإنساني هو محصلة للعلاقات الاجتماعية ومن ثم يؤدي تغيير هذه العلاقات إلى تغييره، وعليه لا يكون الجوهر الإنساني محايثاً للإنسان بل خاضعاً للتحديدات الاجتماعية، ومن ثم يجب عدم الحديث عن جوهر إنساني وينتهي أساس التجاوز الإنساني؟ يبدو أن ماركس، في أواخر حياته وبعد فترة تأرجح طويلة، حسم القضية لصالح إنكار الجوهر تماماً إذ قال: " لا تنطلق طريقتي في التحليل من الإنسان بل من الفترة الاجتماعية المعطاة اقتصادياً". وهذا ما فعله ستالين وألتوسير حينما أكدا العنصر الاقتصادي المادي.


ولم يقنع علم الاجتماع الغربي بالتفسير الاقتصادي للاغتراب وطرح السؤال عما إذا كان الاغتراب حالة إنسانية دائمة أم حالة مؤقتة؟ أي أن السؤال هو: هل يمكن تجاوز الاغتراب تماماً أم لا؟ وإذا كان جوهر المنظومة العلمانية هي التقدم وتراكم المعرفة والسلع وتزايد التحكم في الذات والطبيعة، فهل يؤدي التقدم إلى تناقص الاغتراب أم تزايده؟ يرى فرويد، على سبيل المثال، أن الاغتراب هو اغتراب عن اللبيدو (ودوافع الإنسان الجنسية)، ومن ثم فإن الاغتراب مرتبط تماماً بالحضارة ومتطلباتها وأن إنهاء الاغتراب أمر مستحيل حتى لو تم إلغاء المجتمع الطبقي. ويرى الوجوديون أن الاغتراب حالة نهائية، فكل إنسان يحيا ويموت وحيداً، غريباً عن نفسه وعن الآخرين. 


وثمة ارتباط (وأحياناً ترادف) بين التشيؤ والتوثن والاغتراب يظهر في بعض جوانب المجال الدلالي للاغتراب: 
1 ـ فالاغتراب هو فقدان الإنسان العلاقة مع مشاعره الإنسانية الدفينة العميقة واحتياجاته الإنسانية. 


2 ـ الاغتراب يعني إحساس الإنسان بتزايد هيمنة الإجراءات البيروقراطية اللا شخصية على حياته (بل إن ثمة ترابطاً بين الاغتراب والترشيد في الإطار المادي). 


3 ـ الاغتراب يعني إحساس الفرد بالعجز وشعوره بأنه غير قادر على التأثير في المواقف الاجتماعية المحيطة به. 


4 ـ الاغتراب هو الإحساس بالعزلة وانفصال الفرد عن تيار الثقافة السائد. 


5 ـ الاغتراب هو الإحساس بغياب المعنى واللا معيارية. 


ولعل إبهام مصطلح «الاغتراب» يعود إلى تأرجح مضمونه بين «المرجعية المتجاوزة» و«المرجعية المادية الكامنة»، وإلى أن الحقل الدلالي متشعب يصف جوانب متعددة للظاهرة التي نشير إليها بمصطلح «العلمانية الشاملة».




اللامعيارية (اللاعقلانية المادية( 
»اللامعيارية» (التي يُشار إليها أيضاً بـ «التفسخ») هي ترجمة للكلمة الفرنسية أو الإنجليزية «أنومي anomie» التي تُستخدَم بالهجاء الفرنسي في كلتا اللغتين، وهي من كلمة يونانية تعني «بلا قانون» أو «ناموس». والكلمة تعني فقدان المعايير وغياب أي اتفاق جوهري أو إجماع بشأنها في المجتمع الحديث (الذي تتآكل فيه القيم والتقاليد). وكان دوركهايم أول من َطوَّر المصطلح فبيَّن أن حالة اللامعيارية تنشأ في حالة انتقال المجتمع من التضامن الآلي إلى التضامن العضوي قبل اكتمال مؤسسات المجتمع العضوي. ويذهب دوركهايم إلى أن السعادة البشرية والنظام الاجتماعي يعتمدان على درجة من التنظيم الاجتماعي من قبَل المجت�
ح هذا الكتاب من أهم الكتب المُتداوَلة وحققت المؤلفة أرباحاً خيالية منه (كما هو الحال دائماً مع مثل هذه الكتب في عصر الفضائح والترشيد الإجرائي). وبعد ذلك بعامين، صدر كتاب لنفس السيدة، وكان أكثر إجرائية، فقد كان يُسمَّى آداب الماي فـلاور: قواعد السلوك للراشدين المثقفين Mayflower Manners: Etiquette for Consenting Adults. وعبارة " كونسنتج أدلتس " التي ترد في العنوان هي عبـارة قانونية تشـير إلى أي شـخصين بالغين يمارسان الجنس معاً برضائهما، ولذا فعملهما شأن خاص بهما. وفي هـذا الكتاب قامت المـدام الواحدية المادية الصارمة بتعليم النسـاء كيفية التصرف بلباقة في الفراش، باعتبار أنها راكمت الكثير من المعرفة في مجال تَخصُّصها. وبعد ذلك بعام واحد، قامت نفس السيدة الرائدة في مجالها الموضوعية في أدائها بتدريس مقرر في إحدى المدارس الحرة عن هذا الموضوع. ولا ندري هل ستنتقل إلى المعاهد العليا وأكاديميات البحوث المتخصصة أم لا؟ وهل ستؤسـس تخصصاً أكاديمياً جديداً؟ وعلى كلٍّ تقوم إحدى مؤسسات الرفاه الخيرية (المجانية) في أستراليا، وهي إحدى المؤسسات المدنية الطوعية غير الحكومية داخل المجتمع، بترتيب دورات تدريبية للبغايا حتى يمكنهن تحسين أدائهن في ساعات العمل الشاقة والمضنية. وحينما سُئل أحد مسئولي الدورة عن الحكمة من وراء ذلك، أجاب بحياد شديد رشيد بأن التخصص هو إحدى سمات العصر وأن كثيراً من عاملات الجنس لا يعرفن قواعد الصحة التي يجب مراعاتها ومناهـج الأداء المختلفـة وحقوقـهن وواجباتهن (وهذا هو قمة الترشيد الأداتي). 


ويُلاحَظ علمنة المصطلحات المستخدمة في وصف عملية تَحوُّل الإنسان المتكامل المركب إلى إنسان طبيعي وظيفي ـ اقتصادي سنغافوري ـ جسماني تايلاندي ـ إمبريالي نازي أو صهيوني. وهذا أمر مُتوَّقع تماماً متسـق مع نفـسه، فاللحـظة العلمانية الشـاملة النماذجية هي لحظة تَشيُّؤ كامل وواحدية مادية، ولذا فإن ما يَصلُح لوصف الأشياء، يَصلُح لوصف الإنسـان، واللغة المحايدة تجعلنا ننسـى إنسـانية الإنسـان. فلم يكـن النازيون يتحدثون مطلـقاً عن "الإبادة" وإنما عن "الحـل النهـائي"، ولم تكن "أفران الغـاز" سـوى "أدشاش" تُستخدَم من أجل الصحة العامة. ولا يتحدث الصهاينة عن فلسطين وإنما عن الأرض التي جاءوا "لزراعتها" (لا لاغتصابها). ولا يتحدث أحد أثناء اللحظة السنغافورية عن توظيف الإنسان وتَسلُّعه وإنما عن "تحسين مستوى المعيشة وزيادة الإنتاج، وتوفير الرفاهية والرخاء لأكبر عدد ممكن"، دون أية إشارة للأبعاد الكلية والنهائية. وتحييد المصطلحات في حالة اللحظة التايلاندية يستحق قدراً من التوقف، فإذا كان تحييد المصطلح في حالة اللحظة النازية مأساوياً، فهو هنا ولا شك كوميدي. إذ يتحول البغاء إلى أهم القطاعات الاقتصادية (كما هو الحال في بعض الدول الآسيوية). ومن ثم، تصبح البغيّ (التي يُقال لها في اللغة التقليدية «بروستيتيوت prostitute») في بداية الأمر مجرد عاملة جنس (بالإنجليزية: سكس وركر Sex worker)، عضو في البروليتاريا الكادحة تقوم بنشاط اقتصادي منتج، ثم تتحول بالتدريج إلى بطلة قومية. وبعد قليل، قد يصبح من واجب الجميع أن يؤدوا واجبهم القومي بتجريد كامل وحياد شديد. (والعياذ بالله). 


ولكن ليس بإمكان أحد أن يتحلى بمثل هذه الشجاعة وهذا الحياد (إلا فيما ندر) فالبشر ـ والحمد لله ـ لا يمكنهم نزع القداسة عن ذواتهم تماماً وببساطة.

3 مشاركات:

إرسال تعليق