أوروبا يقودها سياسي مرن لا يحب الظهور

أوروبا يقودها سياسي مرن لا يحب الظهور
فان رومبوي.. مسيحي يؤمن بالعدالة الاجتماعية ومناور يحب إعطاء المساحة للآخرين
فان رومبوي
بروكسل: ستيفن إرلانغر وستيفن كاسل*
عندما ألغيت زيارته للأمم المتحدة بشكل مفاجئ الشهر الماضي، توجه رئيس الاتحاد الأوروبي الجديد، هيرمان فان رومبوي، إلى مكان يقول إنه يشعر فيه بأنه في بيته: دير أفليغم، الموجود في إحدى المناطق الريفية ببروكسل، وكان قد تأسس عام 1062. أمضى فان رومبوي اليوم في غرفة بسيطة، وحضر الصلوات وتناول الطعام في قاعة واسعة يستمع فيها الرهبان إلى قراءات من مكتبة تحوي 70 ألف كتاب.
أصبح فان رومبوي، 62 عاما، فجأة رجلا بارزا يرأس مجلسا يضم قادة 27 حكومة أوروبية ويشكل العمود الفقري الحقيقي للاتحاد الأوروبي، وهي مهمة تتطلب دقة وقدرة على المناورة وإقناع الجميع، الدول الكبيرة والصغيرة وشخصيات سريعة الغضب مثل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وشخصيات أكثر تماسكا مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وكل منهما معجب بذاته وآرائه، من أجل الوصل إلى اتفاق على جداول الأعمال والسياسات.
وقد حاز فان رومبوي على إعجاب الكثيرين لحسن تعامله مع القادة الأوروبيين خلال الأزمة الكبيرة التي واجهت أوروبا هذا العام بسبب الديون اليونانية وانهيار اليورو. وقال فان رومبوي، في مقابلة أجريت في مكتبه هنا: «إذا انهارت منطقة اليورو، فإن ذلك كان سيصبح بمثابة النهاية للاتحاد الأوروبي».
ويبدو أن فان رومبوي، الذي ينتمي لطائفة الروم الكاثوليك، دائما في صراع ضد التكبر، بأسلوبه ولباسه (يحب اللون البني) وبعده عن التكلف، لكنه يخسر، في بعض الأحيان، هذه المعركة؛ فهو رجل مقتنع أن التواضع والعمل بعيدا عن الأضواء، والذي يقوم من خلاله بقيادة أوروبا وتوسيع نفوذه، هما الوسيلة الوحيدة الممكنة لتحقيق ذلك.
وعندما سئل ما إذا كان يعتبر نفسه «موجها» لرؤساء حكومة الاتحاد الأوروبي، ظهر عليه الغضب، وقال إنه يوصف بـ«الفأر الرمادي»، ووصفه أحد أعضاء البرلمان البريطاني بأنه يفتقد الكاريزما، وقد علق على ذلك قائلا: «كل حياتي المهنية كانت بهذه الصورة، لكن هناك بعض الذين يعرفون عني أكثر ولهم آراء أخرى». ويضيف، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة: «أنا قديس في بلجيكا هذه الأيام!». وقال فان رومبوي: إن الذين كانوا يريدون شخصية كاريزمية بارزة لتتكلم باسم أوروبا، وقد ترشح توني بلير بشكل علني لهذا المنصب، ارتكبوا خطأ جسيما. وأضاف: «أن تحاول أن تكون الرجل الأول في أوروبا ولا يوجد أحد حولك فإن ذلك سيمثل كارثة حقيقية. إذا كنت تريد أن تكون رئيسا بارزا لأوروبا، فهذا يعني أنك ستدخل في صراعات مباشرة مع المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء الأخرى. هناك فروق دقيقة، بطبيعة الحال، اعتمادا على شخصيتك، ولكن لا توجد إلا طريقة واحدة للقيام بذلك: مزيج من القيادة وإعطاء المساحة للآخرين ليقوم كل منهم بدوره. أسمي نفسي وسيطا؛ لأنه لا يمكنك أن تقود أوروبا ضد رغبات ومواقف الدول الأعضاء».
يمثل فان رومبوي، وهو خبير اقتصادي ورئيس وزراء سابق ينتمي إلى يمين الوسط في بلجيكا، صورة مختلفة للسياسيين الحاليين، صورة بعيدة كل البعد عن صورة توني بلير ونيكولا ساركوزي. وهو متزوج من عالمة أحياء منذ 33 عاما ولديه أربعة أطفال واثنان من الأحفاد.
وفان رومبوي متواضع، يحب قراءة الكتب ويقرض الشعر، يناور قليلا ويبدو سعيدا بالحديث حول كيف فقد إيمانه بالله في الثانية عشرة من عمره، عندما كان يستعد للانضمام إلى طائفة، ثم استعاد إيمانه فجأة في منتصف العشرينات من عمره. وقال: «لقد وقعت في الحب، وهي قصة حب مستمرة معي لمدى الحياة. دائما أسأل نفسي عما حدث. لكن الإيمان ليس مسألة حجج عقلانية».
وهو ديمقراطي مسيحي أوروبي تقليدي، يبعد الدين دائما عن السياسة، لكنه يؤمن بالأخلاق والعدالة الاجتماعية. وكما يعترف؛ فقد كان جمهوريا متحمسا عندما كان مراهقا، يرغب في التخلص من النظام الملكي في بلجيكا، لكن كانت له علاقة قوية بالملك بودوان الأول والآن له علاقة مع الملك ألبرت الثاني: «لذلك تركت أفكاري الجمهورية منذ فترة طويلة». والأمر الأكثر إثارة هو أن فان رومبوي يصر على أنه لم يكن يسعى وراء معظم الوظائف العليا التي تقلدها، ويرى أن ارتقاءه لهذه المناصب العليا جاء نتيجة لسلسلة من الأحداث السياسية المؤسفة والحتمية. فعندما تم الضغط عليه ليتولى رئاسة المجلس الأوروبي، كان فان رومبوي رئيسا لوزراء بلجيكا منذ ما يقل عن عام، ولم يكن معروفا تقريبا خارج بلجيكا. لكن منذ خروجه من منصب رئيس الوزراء، بدأت بلجيكا تنتقل من أزمة إلى أخرى، ولا تزال من دون حكومة مستقرة. وقد حاز إعجاب الكثيرين بسبب طريقة تعامله مع أزمة اليورو، وإدارته للخلافات العميقة بين فرنسا وألمانيا وقدرته على بسط نفوذه بطريقة هددت، أحيانا، المفوضية الأوروبية ورئيسها خوسيه مانويل باروسو.
وقد برز فان رومبوي لأنه يبدو أن لديه استراتيجية متواضعة، لكن متماسكة، لإدارة الاتحاد الأوروبي. ويقول إنه من دون تنشيط اقتصادها، لن تكون أوروبا قادرة على تحمل تكلفة نمط الحياة فيها، ويتعين على قادة الحكومات الأوروبية تحمل المسؤولية الجماعية لصالح اقتصاد دول الاتحاد ككل، وليس اقتصاد بلدانهم فقط. وقد لعب فان رومبوي دورا مهما في الجهود الرامية إلى تشديد القواعد الحاكمة لدول اليورو؛ بحيث تتم مراقبة الاقتصادات الوطنية بصورة أكثر إحكاما وفرض عقوبات على الدول غير الملتزمة.
وقال تشارلز غرانت، مدير مركز الإصلاح الأوروبي، وهو معهد أبحاث: «إن نهجه العام قائم على التحليل العقلاني الراسخ، وهو نهج متواضع في النظر إلى ما يمكنه القيام به. لقد حلل وحدد أين تقف أوروبا وأين تريد أن تذهب. وعلى الرغم من أنه لا يحصل دائما على ما يريد، فإنه يحظى باحترام الكثير من رؤساء الحكومات». ويقول لويس توباك، وهو خصم سياسي سابق وعضو في حكومة ائتلافية ضمت فان رومبوي: «إنني أحترم مهاراته، الكثيرون لا يعطونه قدره. ويتعين على المرء أن يكون حذرا للغاية دائما في التعامل معه؛ لأنه يفهم الأمور بصورة أسرع وأفضل».
وقد أمضى فان رومبوي، الذي ولد في بروكسل عام 1947، بعض الوقت في الكونغو عندما كان والده يدرس هناك. ويضيف فان رومبوي، الذي كان يقرأ الصحف في سن العاشرة: «لقد ولدت في السياسة». وكان فيه شيء مناقض لكونه طفلا. كان فان رومبوي جمهوريا في بلد لا يزال يتمتع النظام الملكي فيه بشعبية و«قد عبر عن رغبته في أن يصبح أول رئيس لبلجيكا».
كان له دور ناجح وهادئ في السياسة البلجيكية؛ حيث ترأس حزبا وأصبح نائب رئيس الوزراء ووزيرا للميزانية. وفي 1994 اقترب من رئاسة الوزراء، لكن عندما وقع تآمر ضدها، اعتذر وقال: «لا أشعر أنني مستعد لهذا المنصب».
وينظر إلى الفترة التي تولى فيها فان رومبوي منصب رئيس الوزراء على أنها كانت تسوية فعالة بشأن المشكلات بين الولونيين والفلمنكية حول الحقوق اللغوية والفيدرالية. وقال فان رومبوي: «كانت لدي مهمة هامة جدا في بلجيكا. شعرت أنني الوحيد القادر على إيجاد حل.
* خدمة «نيويورك تايمز» هناك لحظات تكون فيها غير قابل للاستبدال وفي لحظات أخرى يمكن أن تموت ويعين آخر مكانك بسهولة في اليوم التالي».
لكن فان رومبوي تولى منصب رئيس الاتحاد الأوروبي على أي حال. وعلق على ذلك قائلا: «كان العرض الوحيد الذي لم أستطع رفضه هو العرض المقدم من 26 بلدا آخر». وبعد أربعة أشهر، سقطت الحكومة البلجيكية وتعرض حزبه لأزمة. وعندما سئل ما إذا كان يشعر بالذنب لتخليه عن بلجيكا، رد قائلا: «أشعر بالأسف، وليس الذنب».
ويصف توباك فان رومبوي بأنه «شخصية واقعية، شخص لا يحب الظهور، وهذا هو السبب الرئيسي الذي جعله يصل إلى هذا المنصب. ولكن بمجرد أن يصل إلى هذا المكان يبدأ في توسيع منطقة نفوذه، وهذا ما يفعله الآن».

0 مشاركات:

إرسال تعليق